محليات

إنفرادي : #حضرموت21 ينشر ملفات واسرار جديدة من حرب احتلال الجنوب عام 1994م (3-4)

 

صفحات وذكريات من حرب احتلال الجنوب عام 1994م ملفاتها و أسرارها  (3-4) كتبها/ نصر  باغريب :

 

 (الحلقة الثالثة)

 

جديد داخل المقالة

.مر علينا نحو الشهرين في معسكر شحن الصحراوي الحدود بسلطنة عمان، وكأنها سنتين لكثرة المشاهد والاحداث التي وجهناها والاعتمالات النفسية التي عانينا منها بوصفها زمنا فارقا بحياتنا وبتاريخ الجنوب وشعبه.

نصر باغريب

وبلغت ذروة الانعطاف بالوقائع  بعد هذه المدة الزمنية عندما صدر ما يشبه التوجيه الرسمي من قبل السلطات العمانية بمعسكر شحن بمغادرة النازحين الجنوبيين بما يشبه الطرد لضيوف لم يجدوا أي علامات المودة من مضيفيهم خلال مدة استضافتهم..، وفحوى التوجيه العماني؛ ان المقيمين الجنوبيين بالمخيم غير مرغوب ببقائهم أكثر من هذه المدة، وعليهم المغادرة والعودة لمرابعهم.

وعلمنا ان هذه التوجيه جاء بعد زيارة وفد من نظام صنعاء ضم عبدالوهاب الانسي القيادي بحزب الاصلاح وبحلف الحرب على الجنوب، للقيادة العمانية بالعاصمة العمانية مسقط لبحث إخراج الجنوبيين من معسكر شحن وكبح أي مساعي لبقاء طويل لهم ومنع ممارسة أي نشاط سياسي أو عسكري مستقبلي للجنوبيين المتجمعين في منطقة شحن أو في مسقط وظفار من القيادات الجنوبية السياسية والعسكرية والمدنية، وعلمنا كذلك ان الوفد الشمالي حصل على تأكيدات عمانية بإخراج الجنوبيين من معسكر شحن والذي يقدر عددهم بنحو  ثلاثة ألف جنوبي يزيدون أو ينقصون قليلا، وإعادتهم إلى الجنوب حتى لا يشكل هذا التجمع في المعسكر قلقا وأرقا على نظام صنعاء.

ويبدو ان حسابات المصالح السياسية والاقليمية بين عمان ونظام صنعاء جعلتنا في ميزان الحلقة الاضعف والورقة التي يمكن التضحية بها بسهولة.

وازدادت المطالبات لنا داخل المخيم من قبل الجنود العمانيين بسرعة الخروج والمغادرة والعودة للوطن دون ان تقدم لنا أي ضمانات واضحة لحقوق العودة، في حين سارعت عدد من الشخصيات والقيادات الجنوبية المتواجدة بالمخيم بتوجيه رسالة مكتوبة وموقعه منهم إلى السلطان قابوس تشكره على استضافة الجنوبيين بمعسكر شحن، وتناشده السماح لهذه القيادات المذيلة أسمائهم بالرسالة بمغادرة معسكر شحن الى مصر والى السعودية ودولة الامارات واستثنائهم من العودة الى الوطن خوفا من اعتقالهم أو التنكيل بهم..، فجاء الرد والموافقة لهم بالإيجاب وتم نقل تلك الشخصيات والقيادات من المعسكر الى ظفار والى مسقط والمغادرة عبر مطارات سلطنة عمان الى الوجهات التي رغبوا بالذهاب إليها، ومن هذه القيادات التي غادرت، حسن باعوم، د.عمر عبدالعزيز، العقيد النمر، سالم جبران، طيارين وقيادات عسكرية وسياسية … إلخ.

لم يبق أمام السواد الاعظم من الجنوبيين من الكوادر المتوسطة والصغيرة والافراد بمخيم معسكر شحن إلا مسار واحدا فقط ومنفذا يتيم للخروج..، والعودة مضطرين مكرهين إلى الوطن الذي يرزح تحت نظام الاحتلال العنصري المتخلف دون ضمانات السلامة والامان أو ضمانات العودة للعمل والدراسة أو ضمانات عدم الملاحقة أو ضمانات عدم وقوعهم تحت طائلة التهميش والاقصاء والتخوين.

وفي ظل هذا الوضع المزري تعرضت محاولة التأسيس والتشكيل للعمل السياسي الجنوبي الشبابي انطلاقا من معسكر شحن لمحك صعب جدا فرغم الحماسة المفرطة والاندفاع الكبير وسيادة وطغيان روح المقاومة والتضحية من أجل استعادة دولة الجنوب من خلال تأسيس لحامل سياسي جديد للشباب الجنوبي من داخل معسكر شحن (الجبهة الوطنية لتحرير الجنوب العربي المحتل)، الذي أتي كرد فعل طبيعي لإفرازات الحرب والنزوح والخذلان.

وقد عقدت لقاءات عديدة ومكثفة لشباب بالمخيم في محاولة لمواصلة تشكيل هيكلية تنظيمية للجبهة وتنمية هذا المولود السياسي الشبابي الجديد ، غير ان ازدياد وثيرة المطالبات العمانية والحث على مغادرة الجنوبيين لمخيم معسكر شحن كانت بمثابة السكين التي قطعت وريد الاستمرارية والحياة للجبهة الشبابية، وبدأت الأعداد تتناقص تدريجيا بمغادرة الشباب للمخيم وتشتت شملهم ، ولم تثمر لقاءات اللحظات الاخيرة بالمخيم على ان يلتئم أعضاء الجبهة في الوطن مجددا ومواصلة تشكيل مكونات الجبهة من الداخل وإشهارها لان محركات التواصل والاستمرارية لم يكتب لها النجاح بسبب الافتقار للإمكانيات المادية والدعم السياسي وغياب الخبرة التنظيمية والسياسية، إذ كانت أعمارنا وقتذاك تناهز العشرين عاما.

تغير شكل مخيم معسكر شحن بعد شهرين على مكوثنا فيه، فالمعسكر الذي كان مزدحما ويضج بالبشر وبالأحداث..، عاد سيرته الأولى كموقع صحراوي مقفر لا يعكر سكونه إلا تلك المروحية التي ما انفكت بتصوير المعسكر وساكنيه منذ وصولنا إليه وحتى مغادرتنا له وبشكل دوري شبه أسبوعي..، وأضحت اعداد البشر في المخيم تتناقص يوما بعد يوم..، وقفل الجنوبيين عائدين الى وطنهم المغبون والحسرة تنهش أفئدتهم..، وتناقصت حصص الطعام وتوالت مشاهد إزالة الخيم تباعا بعد ان هجرها قاطنيها، وخفت الطوابير على مطبخ الطعام، وقل الازدحام والاضطراب على صنابير المياه والحمامات ، وتفاقمت المضايقات و

 

الفضاضة اللفظية  من قبل الجنود العمانيين من ذوي الاصول الباكستانية على المتأخرين عن المغادرة للمعسكر.

إذن ليس ثمة من مقام في هذا المعسكر أو حتى التفكير بالانتقال لمقام أخر في عمان أو الدول المجاورة ، وتبدد دون مواربة حلم تنظيم الصفوف والتجهيز لاستعادة دولة الجنوب المغدورة.

 

حزمت امتعتي المكونة من لحاف (بطانية صوف) وبضع ملابس وأوراق مبعثرة ، وهممت بالرحيل مع أخر المغادرين..، وبتوفيق من الله ساعدني الحظ على ان أجد وسيلة نقل إلى الوطن، فقد ألتقيت بطاقم صحيفة الجديد التي كانت تصدر بمحافظة أبين قبل حرب 1994م، وهم يستعدون للمغادرة بسيارة تويوتا لاندكروز صالون يمتلكونها وكان محرك السيارة يعمل بصورة جيدة وكفيل باستكمال خط رحلتنا من منطقة شحن الى داخل الوطن رغم ان شكل السيارة الخارجي لا يوحي بذلك إثر وقوع حادث انقلاب سابق للسيارة غير من شكلها الخارجي،  اذ انها تعرضت لكدمة كبيرة في سقف السيارة غير شكلها على نحو اقرب الى المثلث منها الى المستوي.

 

وأود هنا ان اتطرق الى عدد من الوقائع والمشاهد التي جرت في معسكر شحن بسلطنة عمان والتي تستحق الذكر لما لها من مدلولات عن مرحلة سادت ثم بادت.

(الحلقة الرابعة)

لعل زيارة الدكتور محمد حيدرة مسدوس نائب رئيس الوزراء السابق إلى مخيم معسكر شحن من المشاهد التي ينبغي ذكرها والتي جاءت متأخرة جدا وتزامنت مع بدء حركة الاخلاء للمخيم بعد ان استفحل القنوط في النفوس ووأدت أي بارقة أمل للقضية الجنوبية، وبعد ان تصاعدت نبرة الدعوة العمانية للنازحين الجنوبيين بالمغادرة والعودة لبلادهم.

والدكتور مسدوس هو ثاني مسؤول يزور معسكر شحن، بعد زيارة العقيد قاسم يحي السابقة ، ولم يزر المخيم أي مسؤول غيرهما رغم وجود عشرات المسؤولين الجنوبيين في فنادق ظفار  ومسقط.

وكرر  مسدوس خلال زيارته حديث العقيد قاسم يحي  مع النازحين الجنوبيين ؛ ان القيادة الجنوبية لم تعد صاحبة قرار وهي تعيش وضع اللجوء والخضوع لشروط وقوانين البلدان التي لجأت إليها وليس بيدها شيء ولن تستطع عمل شيء للنازحين في معسكر شحن ، وان قضية الجنوب دخلت في دهليز مضماره مجهول.

غادر الدكتور مسدوس المخيم مخلفا المزيد من التوهان والغموض في نفوس الجنوبيين في معتقلهم الكبير المسمى مخيم معسكر شحن.

لقد ضم المخيم جميع مكونات أبناء الجنوب من كل المحافظات ، وبتواجد لافت من أبناء مديرية قشن المهرية دون بقية مناطق المهرة والذين  اصطحبوا عائلاتهم..، كما تواجد في المخيم اعداد من الصوماليين.

 فمن المشاهد العجيبة اثناء وجودنا في معسكر شحن الذي كان يقع ضمن اراضي سلطنة عمان قبل اتفاقية الحدود ، هو استغلال الكثير من اللاجئين الصوماليين بجمهورية اليمن حالة نزوح الجنوبيين الى عمان بسبب حرب 1994م ، ليدخلوا مع أطفالهم وعائلاتهم بعدد يقارب المائتين نسمة الى مخيم معسكر شحن على اعتبار انهم نازحين اضطرتهم الحرب للخروج من الجنوب.

ونصبت عشرات الخيم المتقاربة للصوماليين مع أسرهم في منطقة تتوسط معسكر شحن.

وأظهر بعض الصوماليين سلوكا غير مقبولا اثناء تواجدهم في المخيم من خلال اثارة المشاكل وكذا تحايلهم للحصول على حصص أكبر من الطعام أو المياه..، وكثيرا ما تجاوزوا الطوابير بطريقة غير لائقة ما يؤدي إلى مشادات ومهاترات يومية معهم..، وبلغ الامر انهم كانوا يبيعون طعام الغذاء الذي يحصلون عليه لاكثر من مرة بتجاوزهم للطوابير بالتحايل والفوضى.

وكان بعض الجنوبيين يضطر وخاصة خلال الاسابيع الاولى إلى شراء طعام الغذاء من الصوماليين لعدم قدرته على الانتظار بالطوابير الطويلة تحت هجير الشمس اللافحة أو خوض صراع عبثي نتائجه محفوفه بالمخاطر للحصول على حصته المقررة من الطعام.

كما شهد المخيم حلبات للمبارزة الدامية بين بعض الصوماليين فيما بينهم على قضايا خلافيه بينهم، أدت إحدى هذه المبارزات العنيفة إلى شج رأس احد الصوماليين على يد قريب له ، ما أدى الى إسالة دمه على وجه وجسده ولولا لطف الله وسرعة تقديم الاسعافات الاولية له لكان فارق الحياة.

وإيرادنا لهذه الحادثة هو نقل جانب من أجواء وواقع الحياة المضطربة والبائسة التي عشناها في معسكر شحن ، الذي اعتقدنا ونحن نتسابق للوصول إليه بانه سيكون محطة للاستراحة ومراجعة دروس النكسة بالحرب ووضع رؤية لمستقبل الجنوب.

ولم يدر بخلدنا لوهلة واحدة بان وجودنا في معسكر شحن هو  مكسب سياسي ومصدر معلوماتي زاخر للمضيف.

ومن أساليب الخداع التي تعرض لها الجنوبيين في معسكر شحن ، هو قيام الجنود العمانيين بتوزيع استمارة معمقة على الجنوبيين تطلب منهم الاجابة عن اسئلة كثيرة بدءا من الاسم الكامل واللقب واسم القبيلة واماكن السكن والعمل وطبيعتها واسماء المسؤولين في العمل واسم كبير المنطقة والشيخ واسباب الخروج من البلد…الخ، وكان الحافز للاجابة

 

على هذه الاستمارات انها عنونة فقرة كاملة فيها تؤكد ان الاجابة على اسئلة الاستمارة يهدف للمساعدة على تسهيل اقامة النازح للبلد التي يرغب الانتقال والاقامة فيها..، والأمكر من ذلك ان اسئلة الاستمارة احتوت على سؤال عن البلد التي ترغب الاقامة فيه.

تهافت النازحون الجنوبيون للحصول على نسخ من الاستمارات وتعبئتها بالإجابات المطلوبة وسرعة تسليمها للضباط العمانيين بالمعسكر.

وأتضح لاحقا ان الاستمارات لا تهدف لتسهيل الانتقال لدول الاقامة وانما كانت عبارة عن وسيلة لجمع بيانات استخبارية تفصيلية عن الجنوبيين النازحين ، وعلمنا لاحقا بانه تم تسليم كشوفات بالأسماء عن الجنوبيين النازحين بعمان إلى نظام صنعاء.

ورغم كآبة المشهد العام بالمخيم ، فقد امتدت يدا حانية لمساعدة الجنوبيين النازحين بمعسكر شحن من قبل نائب الرئيس الجنوبي السابق عبدالرحمن الجفري الذي أرسل مبلغا رمزيا لكل جنوبي بالمخيم يعينه على تلبية شراء بعض احتياجاته الشخصية ، وتعد هذه المساعدة البادرة العملية الوحيدة من قبل القيادة الجنوبية للنازحين.

ومع اقتراب ساعات المغادرة وترك المخيم بعد ان ضاقت الارض على الجنوبيين بما رحبت في سلطنة عمان ، لم ينتابني أي شعور  بالحنين على فراق هذا المكان الذي لم يترك في نفسي أي أثرا طيبا أو ذكرى جميلة ، فكل ذكرياتي في معسكر شحن كانت مؤلمة ، وعلى غير العادة فكل الاماكن التي قطنت فيها بحياتي تركت في نفسي انطباعا ايجابيا إلا هذا المكان.

وعلى غرار الاستقبال الجاف كانت لحظة الوداع جافة أيضا من قبل الجنود العمانيين، فقد وقفنا مجددا امام الضباط العمانيين جوار بوابة الخروج لندلي ببياناتنا الشخصية مجددا ، وعند المغادرة لم يتم اعادة الاسلحة الشخصية (الكلاشنكوف) التي اخذت من الداخلين للمعسكر قبل شهرين، فقد تم تسليم قطعة سلاح واحدة فقط لكل سيارة تحمل بضعة اشخاص تساعدهم على حماية أنفسهم في طريق عودتهم..

يتبع…..

في الحلقة الخامسة….????

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: