محليات

ملامح النزعة التلفيقية في قصة “السجون السرية في اليمن” لماجي مايكل




عدن (حضرموت21) عدن24 كتب/ محمد ناصر العولقي

جديد داخل المقالة


نشرت وكالة الأسوشيتدبرس الأمريكية في 23 يونيو 2017 م تقريرا على شكل قصة بعنوان ( داخل السجون السرية في اليمن ) للكاتبة ماجي مايكل مدير مكتب وكالة الأسوشيتدبرس في القاهرة واستعمل هذا التقرير / القصة استعمالا إعلاميا وخطابا حقوقيا موظفا توظيفا سياسيا وأيدلوجيا كمادة خبرية وحقوقية ليس لدقة محتواه وقطعية ومصداقية الأدلة التي وردت في القصة / التقرير وإنما نظرا لما تحظى به وكالة الأسوشيتدبرس من شهرة عالمية وتاريخ إعلامي عتيق واعتماد كثير من الجهات والأروقة السياسية والإعلامية والصحفية والمنظمات الدولية على الوكالة كمصدر إعلامي وخبري رئيس لها …


وقد أعادت الكاتبة في 21 يونيو 2018م نشر القصة / التقرير نفسها مع تعديل في محتوياتها بعنوان أكثر إثارة من العنوان السابق ، وكان هذا العنوان : ( تفشي الانتهاكات الجنسية في السجون التي تسيطر عليها دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن ) وركزت في القصة / التقرير على ما وصفته بسجون سرية تسيطر عليها قوات إماراتية تمارس فيها انتهاكات جنسية ضد المعتقلين …


وبعيدا عن إطلاق الأحكام العمومية حول ما جاء في متن ( القصتين) سنحاول في هذه الورقة فحص مصداقية الادعاءات الواردة في محتواهما من خلال تتبع ملامح النزعة التلفيقية في القصتين الرئيسة والملحقة كأداة محايدة لاكتشاف الحقيقة والخيال ، والبيان والتضليل ، والمعقول واللامعقول فيهما .


ومن المهم في البدء عرض مفهوم النزعة التلفيقية للمتلقي لكي يستوعب ما نحن بصدده ، ويقف على الآلية التي نتخذها لقراءة القصتين / التقريرين ، ويشارك معنا في مقاربة موضوعية بحثا عن الحقيقة وليس سواها .


معنى التلفيق


تلفيق ( اسم ) : مصدر لفَّقَ


( بلاغة ) نوع من أنواع الجناس ، وهو ما تماثل ركناه وكانا مركّبين ، كقولهم : ولمَّا كلَّ متني كلّمتني


( الفقه ) أخذ في الموضوع الواحد وما يترتَّب عليه باجتهادات شتّى ، أو تتبع رخص المذاهب وتيسيراتها وترك ما يعسر عليه منها


كَلامٌ كُلُّهُ تَلْفيقٌ : كَلامٌ كُلُّهُ زَخْرَفَةٌ وَتَمْويهٌ


تَلْفيقُ تُهْمَةٍ : حَبْكُها ، نَسْجُها


لفَّقَ ( فعل ) : لفَّقَ يلفِّق ، تلفيقًا ، فهو مُلفِّق ، والمفعول مُلفَّق


لَفَّقَ الرَّجُلُ : طَلَبَ أَمْراً فَلَمْ يُدْرِكْهُ


لفَّق الشَّخْصُ الكلامَ : اختلقه ، زخرفه وموَّهه بالباطل


لَفَّقَ تُهْمَةً ضِدَّهُ : حَبَكَهَا ، أَنْسَجَهَا ضِدَّهُ


لفَّق شقَّتي الثَّوب : ضمَّ إحداهما إلى الأخرى وخاطهما ومنه أَخِذ التلفيقُ في المسائل


كما ينسحب مصطلح التلفيقية الى الفلسفة والتصوف ويعرف بأنه : نزعة فلسفيّة بعيدة عن الرُّوح النَّقديّة ، ترمي إلى جَمْعٍ مُصطَنَعٍ بين أشتات من أفكار أو دعاوَى غير متلائمة لتكوين مذهبٍ جديد .


ويشير مصطلح التلفيق الى :


– بطلان فرضية أو نظرية


– تزوير التاريخ ، وتشويه السجل التاريخي المعروف أيضا باسم التحريفية التاريخية (النفي)


– فعل إنتاج شيء يفتقر إلى الأصالة بنية ارتكاب الغش أو الخداع


والتلفيق يختلف عن التوفيق، فالمعروف في أدبيات واصطلاحات الفلاسفة أن التلفيق هو جمع بين شيئين أو أمرين متنافرين، مثل الجمع بين صفة رذيلة وأخرى فاضلة في سلوكيات شخص واحد، أو الجمع بين مُتناقضين ومتعارضين لا يصح جمع أحدهما مع الآخر مثل القول بأن فلاناً من الناس هو طويل وقصير معاً. والتلفيق هو صورة من صور التناقض .


ومن هنا يمكن القول بأن النزعة التلفيقية هي خطاب يجمع في داخله بين عناصر متناقضة ومتعارضة تهدف الى إغواء المتلقي وإغرائه وإقناعه في آن واحد حتى يفقد التمييز بين الحقيقة والخيال فيرى الخيال كأنه حقيقة ويرى الحقيقة مشابهة للخيال .


ويتطلب التدقيق في مصداقية ما يتوفر عليه هذا الخطاب فرز وتفكيك النص المعبر عنه والوقوف على جزئياته بطريقة محايثة للنص والتعامل معه بأسلوب نقدي ينطلق من داخل النص الى خارجه والعكس .


وعليه فإننا سنقوم بتقسيم قراءتنا لقصة / تقرير السجون السرية في اليمن وملحق القصة / التقرير الى ما يلي :


– الإطار العام


– العنوان


– الشخصيات


– الزمان


– المكان


– الدلالات الإيديلوجية والسياسية


– الخاتمة


– الإطار العام


إن أبرز ما نراه في الهيكل العام لقصة / تقرير السجون السرية في اليمن الرئيس والملحق انبناء أسلوبه الكتابي على النزعة التلفيقية المتمثلة في التناقض والتعارض حيث تتجاذب معمارية النص بنيتان متناقضان في خصائصهما وتقنياتهما :


الأولى هي بنية القصة كجنس كتابي أدبي يشكل الخيال ( المجاز) أهم عنصر من عناصره ومقصديته إيحائية بالدرجة الأولى وذات وظيفة إغوائية وإمتاعية تهدف الى الإثارة دون وضع اعتبار للإقناع .


والثانية هي بنية التقرير كجنس كتابي وأسلوب بياني يقوم على الوثوقية البحتة وحشد العبارات بمعناها الحقيقي الذي لا يحتمل التأويل وترصيع الكتابة بالأدلة والبراهين والحجج بهدف الإقناع وتأكيد موضوع النص.


ويتمظهر هذا التعارض والتناقض القائم عليه الهيكل العام للنص في ما يلي :


1- المزج بين الإبهام والتصريح عند ذكر الضحايا المفترضين والشهود والمتهمين بحيث بقي النص يترنح بين الكذب والصدق والوهم والحقيقة والشك واليقين دون أن تلتزم الكاتبة بتقديم تفسير منطقي للمتلقي يفسر هذه النزعة التلفيقية المتمثلة في التناقض والتعارض الموجودة في النص … فمثلا يتكرر في النص ذكر ضحايا مفترضين هلاميين بلا أسماء ولا هوية يمكن أن يكونوا من نسج الخيال فنجد في النص مثلا :


قال سجناء سابقون بأنهم اقتيدوا الى مجمع احتجاز رئيس في مطار الريان ..


حاول أحد السجناء الانتحار …


قال سجين سابق احتجز لستة أشهر في سجن الريان كنا نسمع أصواتهم …


قال العديد من السجناء ..


أفاد ستة من السجناء السابقين في الريان


سجين آخر تعرض لإعدام كاذب حيث ألبس حزاما قيل إنه ناسف وفجرت قنبلة بجواره


قال سجين سابق قضى حوالي ستة أشهر هناك ..


قال والد لأربعة أطفال أن صراخ السجناء كان مدويا


وتبرر الكاتبة هذا الإبهام وعدم التصريح بأسماء الضحايا المقترضين بالخوف عليهم من العقاب أو الانتقام ولكنها سرعان ما تنسف هذه وتصرح في مكان آخر من النص بالأسماء الحقيقية لمن تصفهم بضحايا سجون سرية وتعذيب فمثلا :


احتجز رجل الأعمال عوض حبيب في مدينة عدن وقال بأنه صعق بالكهرباء ….


في بلدة قريبة احتفى هاني شقيق محمد السعدي …


قال المهندس صبري الشبراني بأنه ألقي القبض عليه قبل عام …


ألقت قوات الحزام الأمني القبض على أحد أشقائه واسمه علي..


علي عوض حبيب رجل الأعمال الذي تعرض للتعذيب .. لا يزال يجهل سبب احتجازه لستة أشهر


وعلى هذا النحو يتكرر التناقض والتعارض بين الإبهام والتصريح مع الشهود والمتهمين المفترضين من قبل كاتبة النص .


2 – الجدل مع الذات من خلال إلحاق التأكيد بالنفي في سياق السرد داخل النص بحيث يبرز التناقض والتعارض واضحا في الأحكام التي تطلقها الكاتبة عن بعض المسائل الواردة في القصة / التقرير ومن مثل هذا :


قال المهندس صبري الشراني بأنه ألقي القبض عليه قبل عام .. واحتجز في ( زنزانة انفرادية لأسابيع ليستجوب من قبل ثلة من الرجال المقنعين يتحدثون بلهجة إماراتية) …. ( عصبت عيناه ووضع في الحجز الانفرادي لأسبوع كامل ) ونرى جدل الكاتبة مع ذاتها هنا في مدة الحجز وفي رؤيته للرجال الذين يحققون معه بأنهم مقنعين بينما تذكر أنه كان معصوب العينين .


تقرر الكاتبة أن سجينا تطلق عليه الرسام تمكن من تهريب رسومات مرسومة على صفائح بلاستيكية من سجن بير أحمد وفي الوقت ذاته تقرر أيضا أن برنامج التعذيب المجدول في السجون هو الضرب يوم السبت والتعذيب يوم الأحد واستراحة يوم الإثنين وتكرار نفس النظام للثلاثة الأيام التالية والسجن الانفرادي يوم الجمعة ومع ذلك لا يلفت نظر الكاتبة كيف استطاع هذا السجين ( الرسام ) أن يجد الصفائح البلاستيكية والوقت الكافي والظرف المناسب ليقوم بالرسم وتأليف التعليقات المصاحبة للرسوم ؟


3 – إزدواجية التدليل ويشكل هذا التناقض في النص نزعة تلفيقية تتمظهر في استدعاء شهادات تعارض بعضها رغم أن الكاتبة تستعين بها لإثبات زعما مسبقا تتبناه في قصتها / تقريرها ومن مثل هذه الإزدواجية :


يقول قائد يمني يقطن حاليا في الرياض : يرتكبون في السجون أكثر الجرائم وحشية ) … ( لقد تحدث دون الإفصاح عن هويته خوفا من قيام القوات الإماراتية بأعمال انتقامية ضده ) !! ونجد الإزدواجية هنا في تقريرها بأنه قائد يمني من دون أن يفصح لها عن هويته وكذلك في أنه يقيم في الرياض ويخاف من انتقام القوات الإماراتية !


إن ضابطا يمنيا أخبر أسوشيستدبرس أنه عمل ذات مرة على سفينة راسية على الساحل وشاهد سجينين على الأقل أخذوا لاستجوابهم في بطن السفينة حيث انتظرهم خبراء في ( كشف الكذب ) و ( خبراء نفسيون ) ، ليست لديه فكرة عما يدور هناك ولكنه قال بأنه شاهد ذات مرة رجالا أمريكيين يرتدون زيا رسميا على السفينة … فمن العجب أن يعمل المرء على سفينة وهو لا يدري هوية أصحابها ومن العجب كذلك أن يتحرك فيها كما يشاء ويستطيع تمييز حتى تخصصات الموجودين فيها ومع ذلك فإنه ليس لديه فكرة عما يدور في السفينة !


ورد في النص (أكد المسؤلون الإماراتيون قيام الولايات المتحدة باستجواب بعض السجناء في سجون سرية تديرها الإمارات ) .. ثم ورد بعده بسطرين ( لم يعلق المسؤلون الإماراتيون … ولكن البعثة الدائمة للبلاد في الأمم المتحدة بجنيف أصدرت بيانا وقالت فيه إن الإمارات لم تدر سجونا أو معتقلات سرية أو أشرفت عليها في اليمن ) ففي حين نسبت الكاتبة الفقرة الأولى الى مصدر مبهم غير معروف فإنها حددت في الفقرة الثانية مصدرها فكانت محاولتها الأولى كأنها شهادة ملفقة لعدم قدرتها على إثباتها .


– وشاية العنوان


يعد العنوان العتبة الأولى التي يعبر من خلالها المتلقي والقاريء الى فناء النص كما أنه الوحدة اللغوية الأولى التي يحرص الكاتب على أن تكون محملة بتكثيف معنى ومحتوى ورسالة النص وتعكس بطريقة مباشرة أو إيحائية الوجهة التي يريد الكاتب أن يوجه انتباه المتلقي إليها ويغريه بالسير فيها لاعتناق وجهة النظر وقناعات الكاتب …


وبالنظر الى العنوان في قصتي / تقريري ماجي مايكل نستطيع القول أن عنوان القصة الأولى ( داخل السجون السرية في اليمن ) كان فاقعا في تلفيقيته من حيث :


إن العنوان يبدأ بلفظة داخل التي تشير الى الحضور والتواجد والعلم بواقع الشيء وملامسته كما أنه يشير الى الظرفية المكانية التي تتطلب مضافا إليها يجلي هذا المكان ويحدده فلذلك جاء تعيين هذا التواجد في لفظتي ( السجون السرية ) فوشى ذلك بطرف من التناقض المعبر عن تلفيقية العنوان ، فالتواجد والعلم والملامسة التي تشير إليها لفظة داخل تعارض المعنى الذي تشير إليه لفظتي السجون السرية والذي يحمل دلالة الغموض والمجهول وعدم العلم باعتبار أنه إذا ما علم وتعين وتحدد السجن السري فإنه لم يعد عندها سريا ومجهولا وغامضا ..


إضافة الى هذه الوشاية التي توشي بها عبارة ( داخل السجون السرية ) عن تلفيقية العنوان تأتي شبه الجملة ( في اليمن ) لتضيف وشاية ثانية عن تلفيقية العنوان يكتشفها المتلقي والقاريء بعد ولوجه الى متن القصة / التقرير وذلك عندما يجد أن المتن منصب كله حول جزء من اليمن وليس كما يشير إليه العنوان وأن الجنوب فقط هو المستهدف وموضوع الكتابة والكاتبة وكأنما الكاتبة ليست معنية بسوى ذلك وهذا التلفيق ينزع الدافع الحيادي والحقوقي الذي كان من المفترض أن يكون – كما تزعم الكاتبة – هو المحرك للكتابة والتقصي ويخرجه من مصداقيته الى ساحة الانحياز والاستهداف مع سبق الإصرار والترصد .


ويتوضح هذا بشكل أكبر من خلال عنوان القصة / التقرير الملحق ( تفشي الانتهاكات الجنسية في السجون التي تسيطر عليها دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن ) حيث لم يحضر في المتن مرة أخرى سوى الجنوب مع غياب لفظة ( السرية ) وحضور الجهة المستهدفة الرئيسة الأخرى ( دولة الإمارات العربية المتحدة ) .


إن دلالة العنوان في القصتين الرئيسة والملحقة تحمل في أحشائها إشارتين متناقضتين ومتعارضتين حيث بدا واضحا فيه عدم التناسق مع المتن في اقتصار سرد الأحداث على جزء من اليمن فقط من ناحية ومن ناحية أخرى التناسق في الاستهداف والتحيز ضد الجنوب ودولة الإمارات مما يجعل من المتن مهرجانا لغويا تحتشد وتتنوع فيه مزاعم وادعاءت غير بريئة ومثخنة بالتحريض والاحتيالية .


– الشخصيات


كثيرة هي الشخصيات الحاضرة في القصة / التقرير ضحايا مفترضون وشهود ومتهمون وعائلات سجناء وحقوقيون ومسؤلون أمنيون واستعملت الكاتبة طريقتين متعارضتين في منهجية ذكرهم في النص : الإبهام والتصريح …


وعند استعراض شخصيات القصة / التقرير نجد ذات الكاتبة هي الشخصية الأولى التي تلعب دور البطولة فهي الراوي كما هي كذلك المحقق والشاهد والحكم بل ويمتد دورها الى خارج النص عندما تتماهى مع ذات الناشر وكالة الأسوشيتد برس فتذكر مثلا :


( وكشف سجين سابق آخر لـوكالة الأسوشيتد برس كيف تم تقييد يده وقدمه وهو معصوب العينين. وقال إنه احتُجز في مطار الريان لما يقرب من ستة أشهر ) .


ومن هنا فهي تقوم بدور الراوي العليم الملم بكل ما يتعلق بالقصة داخل النص وخارجه غير أن هذا الإلمام في الواقع ليس حقيقيا لأن الكاتبة / الراوي ومع أنها حرصت على إبداء حياديتها من خلال إيراد لقاءات مع الجهات المختلفة إلا أنها تغافلت عن اللقاء بأهم جهتين كان عليها الالتقاء بهما وهما الحزام الأمني والتحالف العربي وهما الجهتان اللتان استهدفتهما بالاتهامات في قصتها / تقريرها .


أما التعارض في الشخصيات الأخرى فيبدو من خلال :


تناقض إفادات الضحايا المقترضين الذين تذكر الكاتبة إنهم مخفيون في سجون سرية ويتعرضون لأبشع وسائل التعذيب المستمر وهم معصوبو الأعين ومع ذلك فعائلاتهم تزورهم وتتسرب إليهم الأقلام والصفائح البلاستيكية ويجدون وقتا ومزاجا مناسبا للرسم ويتعرفون على أسماء المحققين ويميزون بين الأمريكان والكولمبيين واليمنيين والإماراتيين ويعرفون إن كانوا لابسين أقنعة أو سافري الوجوه .


تعارض وتناقض إفادات المسؤلين الأمنيين فحين تذكر الكاتبة على لسان وزير الداخلية بأنه ليس له صلاحية على السجون فإنها تنقل عن مسؤلين أمنيين في مرتبة أدنى وبكل وثوقية تفاصيل ما يحدث في تلك السجون .


تناقض وضعية ونطاق مسؤلية بعض المسؤلين العسكريين التي تذكر الكاتبة أنها التقتهم مع اختصاصهم إذ تذكر أنها التقت بمسؤول عسكري كبير في المنطقة العسكرية الأولى ، مقرها في حضرموت وقال لها : إن الأميركيين كانوا يجرون الاستجوابات في البحر ومن المعروف أن المنطقة العسكرية الأولى ليست ذات علاقة بما يجري في الساحل لأن مقرها سيؤون ونطاق اختصاصها وادي حضرموت .


إن ذلك مجرد سبر لنماذج من التناقض والتعارض الذي يبدو واضحا في القصة / التقرير ومثل ذلك كثير لمن ينظر بتعمق في ما تضمنه محتوى المتن .


– الزمان


يحتل الزمن ركنا مهما في تشييد معمار النص وتحديد معالمه واقتفاء أثر سيرورته فلا أحداث ولا وقائع ولا مقصدية في غياب الزمن ومن هنا فإن الزمن كما يوضح ويبين مجريات الأحداث والوقائع والمقصدية فإنه يشي أيضا بالتعارضات والتناقضات التي تكشف وتفضح النزعة التلفيقية في النص ..


وفي نسج قصة / تقرير ماجي مايكل الرئيس والملحق يبدو الزمن للوهلة الأولى منسجما فالنص الأول الرئيس داخل السجون السرية في اليمن خرج الى النور في 23 يونيو 2017م وخرج النص الثاني الملحق في 21 يونيو 2018م فهما وليدا اليوم ذاته تقريبا والشهر ذاته من العام الماضي والحالي وتتكرس ولادتهما لصالح الموضوع ذاته والهدف ذاته والمقصدية ذاتها والجهة المستهدفة ذاتها غير أن هذا التناسق يتناقض ويتعارض مع صميم وظيفة الكاتبة والمؤسسة التي انتجتهما فالكاتبة من المقترض أنها إعلامية وصحفية تمارس مهمة تنوير وبحث عن الحقيقة بطريقة حيادبة ولا يجدر بها مطاردة الجهات والأشخاص بشكل استهدافي بصورة متواترة إلا إذا كانت مقصديتها من الكتابة هو الاستهداف والابتزاز كما أن المؤسسة الناشرة للنص هي مؤسسة إخبارية وليست مؤسسة حقوقية تنشر التقارير السنوية كل عام حول وضع حقوق الإنسان ومن هنا فإن التناسق في زمن نشر النص الرئيس والملحق يتحول الى تناقض وتعارض يندرج في إطار النزعة التلفيقية ..


الزمن الداخلي


ويتجسد من خلال الطريقة التي قدم فيها السرد والأقول والأحداث في النص والتي أخذت على الأقل صيغة الماضي : قالوا … كانوا … رصدنا … وفي بعض الأحايين تحضر صيغة المضارع : نسمع صراخهم … يضعونهم … يصعقون …


ونجد الزمن الداخلي كذلك في السرد : يسمونها ( الشواية ) حيث تربط الضحية حول سيخ كالذبيحة، وتدور بسرعة هائلة حول حلقة من اللهب ) …. الضرب يوم السبت والتعذيب يوم الأحد ويوم الإثنين استراحة ويتكرر نفس النظام في الثلاثة الأيام التالية ( الثلاثاء والأربعاء والخميس ) ثم موعد مع السجن الانفرادي يوم الجمعة … اكتشف أمر السجون السرية وما يحدث فيها من تعذيب عبر تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس في يونيو الماضي … وقد تمكنت من مقابلة خمسة سجناء على الأقل ارتكبت ضدهم القوات الأمنية انتهاكات جنسية للتنكيل بهم وتحطيمهم … يحتجزون داخل حاويات قذرة معصوبي الأعين لأشهر طوال ومن يقوم بذلك ليس إلا حليفا مقربا من أمريكا في حربها ضد الإرهاب


إن الزمن هنا يوشي بالنزعة التلفيقية في هذا السرد فالكاتبة تعارض نفسها حين تبدو ملمة بما تزعم أنه تفاصيل مواعيد التعذيب وطرقه ويسمح لها أن تجري تحقيقا داخل السجون وتمكن من مقابلة السجناء ثم تصف هذه السجون بالسرية وتدعي بعد عام أنها اكتشفت أمرها … كما تبدو وشاية الزمن في اتهام القوات اليمنية بارتكاب الانتهاكات ضد السجناء ثم بعد عام تقول : من يقوم بذلك ليس إلا حليفا مقربا من أمريكا في حربها ضد الإرهاب ( تقصد الإمارات ) .


– المكان


إن المكان ليس مجرد حيّز يحتضن الأحداث ويعيّن إطار حركة واهتمام كاتب النص بل أضحى محكا لمصداقية أو زيف مقصديته ودوافعه من الكتابة ومعينًا لانسجام النص أو تلفيقيته والكشف عن الحالة النفسية والخلفية الدغماتية أوالبراجماتية التي قد تكون مستترة ومتسترة بشعارات ويافطات ومزاعم ظاهرة في النص …


ومن أبرز معالم النزعة التلفيقية في الأماكن الحاضرة في قصة / تقرير ماجي مايكل بنوعيها الرئيس والملحق :


تناقض الكاتبة في زعمها أنها تتناول السجون السرية والانتهاكات في اليمن بينما هي في حقيقة الأمر تتوجه بكل مقصديتها وحركتها واهتمامها مستهدفة الجنوب ولا سواه ولم تشر ولو بإشارة واحدة أو تلميح الى الشمال سواء المناطق المحررة منه أو التي تحت سيطرة الحوثي مما يخرج النص من البحث والتحقيق الصحفي الموضوعي المحايد الى ساحة النص التلفيقي ذي المقاصد الاستهدافية .


كثرة حضور الأماكن في النص رغم محدودية إطار حركته ، ومن هذه الأماكن الواردة فيه : اليمن، الجنوب، عدن، حضرموت، ارتيريا ، الرياض، واشنطن، أبوظبي، الإمارات، نيويورك، جنيف … ومن الواضح أن الأمكنة هنا لا تحضر جزافا بل لها وظيفة براجماتية تتعلق بالتمويل وتبرير الأنفاق وتقديم كشف ظمني لممول القصة / التقرير لإقناعه بكيفية صرف تمويله .


الجمع بين العمومية والتفصيل في النص وتتمثل العمومية في ذكر 18 سجنا سريا تزعم الكاتبة أنها رصدتها في البر والبحر وداخل الجنوب وخارجه دون توضيح ماهيتها ومصادرها وتحديد منشأتها وتتمثل التفاصيل في تحديد أماكن تذكر أنها سجون سرية يمارس فيها التعذيب : خمسة في عدن ( بير أحمد، المنصورة، البريقة، التواهي، جولد مور ) وواحد في حضرموت ( مطار الريان ) وتذكر بالتفصيل والدقة ما تزعم أنه يجري فيها بل تقرر أنها زارت بعضها في تناقض تعارض جلي بين حالة السرية التي وصفت الكاتبة بها تلك السجون والعلنية والمعرفة التي يستنتجها القارئ من خلال ذكر الكاتبة لما تزعم أنه يجري فيها والسماح لها بزيارتها …


إن أمثلة التعارض والتناقض الجلي في القصة / التقرير توشي بنزعة تلفيقية محايثة في النص وتتلاقى هذه النزعة التلفيقية في المكان مع ما سلف من نزعة تلفيقية وجدناها في العنوان والشخصيات والزمان تؤكد للمتلقي تعارضا وتناقضا متكامل الأركان في بنية النص ومعماريته الكلية .


الدلالات السياسية والإيدلوجية


يمكن أن نستعرض أهم الدلالات الأيديولوجية والسياسية في قصة / تقرير داخل السجون السرية وملحقه في الآتي :


يظهر مدلول النص أنه كتب للتشهير بالتحالف العربي وخصوصا بدور دولة الامارات ومشاركتها في التحالف العربي وعلى الأخص دورها في تحرير الجنوب وتحمل مسؤلية القضاء على الجماعات الإرهابية المسلحة فيه ودعمها لبناء قوات أمنية فعالة تحمي أمنه واستقراره


يشير النص الى طبيعته التحريضية أكثر مما يزعم أنه ذو طبيعة حقوقية وإنه نص استهدافي يتماهى مع أجندات وسياسات إقليمية تشجع الفوضى وتتبنى رموزها وتغطيهم سياسيا وإعلاميا تحت مبررات الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان


يعبر مدلول النص عن حالة ضيق شديدة كانت ترزم في صدور الكاتبة ومن حرضها ودعمها على كتابة القصة / التقرير ومن أهم أسباب ذلك الضيق نجاح الإمارات والقوات الأمنية التي بنتها في تحقيق أمن واستقرار جيد مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل وجود الدور الإماراتي وتلك القوات الأمنية


يكشف مدلول النص التحيز وروح الإقصائية التي تسيطر على كاتبته من خلال تعمد عدم إيراد وجهة نظر الجهة التي تتهمها بالسجون السرية والانتهاكات وهما التحالف العربي والحزام الأمني وكذلك تقارير المنظمات الحقوقية التي تناولت وضع السجون والمساجين قبلها وخرجت بنتائج لا توافق هوى ومقصدية وهدف كاتبة القصة / التقرير .


يكشف مدلول بعض العبارات الواردة في التقرير / القصة طبيعة أيدلوجية وسياسية ومن ذلك التعليق المرافق لإحدى الرسومات التي زعمت الكاتبة أنها توضح أساليب التعذيب التي يعاني منها السجناء، وذكرت أنها تسربت من سجن سري : “مكافحة الإرهاب” -يستهدف- “المواطن البريء”، و “الإرهاب الحقيقي وراء ظهورهم، لا ينظرون إليه” ، وهو شعار سياسي ليس له علاقة بما تزعم الكاتبة أنه أساليب تعذيب السجناء .


– الخاتمة


وضحنا في ما سلف بعضا من النزعة التلفيقية في قصة / تقرير الكاتبة ماجي مايكل بشأن السجون السرية وانتهاكات حقوق الإنسان السجناء في اليمن وتحديدا في الجنوب وحاولنا أن تكون قراءتنا تنطلق من داخل النص وتعتمد على تفكيك عباراته وليس من خارجه من دون انحياز أو موالاة وتوصلنا الى أن القصة / التقرير في المجمل محملة بالتناقضات والتعارضات التي تؤكد وجود نزعة تلفيقية لدى الكاتبة مما يجعل القصة / التقرير رواية أحادية الجانب مليئة بالفجوات والنتوءات وتعبر عن خلل في محتوى النص وربما يعود هذا الخلل الى تعمد وقصدية من الكاتبة لغرض التشويه والتحريض أو أنها وقعت هي نفسها ضحية إفادات غير دقيقة أو كاذبة أو مبالغ فيها وفي كل الأحوال فإن موقفنا من النص هو عدم اعتماده كوثيقة إدانة وفي ذات الوقت عدم نفي كل ما جاء فيه بل الدعوة الى ضرورة قيام الجهات الحكومية وأجهزة القضاء والأمن والمنظمات الحقوقية والنشطاء الحقوقيين بالتحري والتحقيق والتأكد مما جاء فيه والاستمرار في المراقبة والاطلاع على أحوال السجون والمساجين بشكل دائم

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: