أخبار حضرموت

#مطار #سيئون… الهروب من سجن بحجم الوطن

(حضرموت21) وليد التميمي

دخلت إلى صالة مطار سيئون بانسيابية لم أكن أتوقعها، أنهيت إجراءات السفر بسرعة مقيدة بنظام شبه محكم، في عصر الفوضى التي طغت على كل شيء تقريباً، جلست أمام النافذة الكبيرة المطلة على مدرج المطار حيث تجثو طائرة اليمنية وحيدة في انتظار المغادرين إلى القاهرة، بين حين وآخر كنت أتفرس ملامح الوجوه من حولي، الغالبية كانوا من المرضى ومرافقيهم، وقلة هم الطلاب أو من قرروا الهرب أخيراً من وطن منكوب، جرحه نازف، وجغرافيته تتصدع، ابتسمت فجأة لأني قطعت حكما يبدو متعجلاً بأن الكل هنا في هذه الساحة الضيقة أن لم يكن مريضا عضوياً، فهو منهار نفسياً وبحاجة إلى أخصائي لمعاينته.

وسط المعمعة والضوضاء التي كانت تتصاعد بتوافد المسافرين على الصالة، لمحت تحركات رجل كبير في السن، تغزو محياه التجاعيد ويتضاءل جسده الذي أنهكه المرض، جاذبية مشتركة بدأت تنسج بيننا خيوط حوار قطبيه تساؤلات وأجوبة، مهدت لكي نتوغل في النقاش أكثر، ونخوض في التفاصيل التي جمعتنا على متن رحلة واحدة.

كصفحة بيضاء بدأ العم محمد، وهو يتحدث عن سفرته الأولى إلى القاهرة للعلاج من مرض القلب، لا يعرف أحدا هناك ولن ينتظره أحد، هو وإلى جانبه مرافق قريب من العائلة، سيذهبون إلى المجهول، بعد أن تعرض لسرقه هاتفه غالي الثمن وبداخله أرقام لأصدقاء كثر في داخل الوطن وخارجه وفي مصر كانوا سيقفون إلى جانبه في محنته مع المرض، أو على الأقل سيسدونه النصح في سكنه وترحاله ومغامرة بحثه عن طبيب يعالجه.

قال وهو يبتسم بأنه رفض اصطحاب أنبوبة أوكسجين تسعفه بالهواء إذا ما اختنق داخل الطائرة؛ لأنه على ما يبدو لم يكن يريد أن يحمل نفسه أوزاناً أو تكاليف لا طاقة له بها.

ران بيينا صمت قصير، قرر بعدها التوجه إلى (صاحب البلاد) الذي سيسافر ومعه في العفش تنار/موقد حديدي كبير، جانب من شخصية العم محمد، الذي ينثر الفرح فيمن يحيطه ظهر من خلال تعليقاته الساخرة و(زبجه) على التنار وصاحبه، كان كالطير في خفه روحه وفي خفه دمه، نزع الرجل المريض عن جسده لدقائق رداء الوهن والضعف، بدا نشيطا متوهجا، صوته يعلو وضحكته تجلجل، وفي غمرة “هيجانه” الحركي كان يدفع الثمن غالياً، يجلس على أقرب مقعد، وهو يلهث، ثم يعتزل حتى الكلام، ويطرق وجهه للأرض ويفكر، يفكر في مرضه ومصيره؟ فيمن يتلذذ بعذابنا وعذابه؟ في مستقبل جيل كان في يوم من الأيام من رواده أو مربيه؟

لم يخترق جدار (سرحانه) الذهني، سوى دعوات مريض على بعد مسافة أمتار منه، كان يمد يديه إلى السماء، وهو يبتهل للمولى بشفائه، قال العم محمد وهو يستدير صوبي، أن الرجل داهمه مرض عجز كل الأطباء عن توصيفه، منهم من يرجح بأنه سرطان في البنكرياس، أو المثانة أو المعدة، أنا أشك في كل هذه الاحتمالات، رحلته إلى مصر ربما ستضع حدا لتخبطنا جميعاً..

فتحت أبواب صالة المغادرة وتدافع معظمنا المريض، وحتى من يتظاهر بأنه مازال بخير، للخروج منها والإلتحاق بالطائرة، كأنهم كانوا في سجن كبير بحجم وطن، يريدون الفرار من جحيمه بأي وسيلة!

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: