fbpx
خبر رئيسيمقالات ساخرة
أخر الأخبار

التسول من “بكالوريا” هموش إلى “دكتوراه” الشرعية

التسول... السرقة (الحلال) بين الشحاتين الصغار والكبار

اقرأ في هذا الخبر

  • هذه (العاهة) التي ذكرها الفيلم، تجددت فصولها في وقتنا الراهن، فمعظم الشحاتين هم من المقعدين أو المشوهين والعجزة، والأطفال هزيلي الجسد أو الكسيحين خلقياً، وبانتشار الأمراض والفقر والمجاعة لم تعد مؤسسة (رعاة التسول) بحاجة إلى زرع عاهات إضافية في من يسقطه حظه العاثر تحت براثنها، يكفيها فقط توزيعه في مربعات جغرافية مأهولة بالسكان، وإلزامه بمواعيد دوام ومبلغ مالي يجمعه يومياً حتى يضمن عدم تعرضه للاعتداء والحماية، ومنحه أيضاً الـ(بوكت موني)

(حضرموت21) خاص:وليد التميمي:

 

حتى في ممارسة الشحاتة أبدع الفنان عادل إمام، في فيلم (المتسول) بالتمسك بوطنيته برفضه قبول أي سنت أو دولار يدخل إلى جيبه، من باب الإحسان أو المساعدة.

 

فكانت إحدى أبرز لزماته في الفيلم الذي كان يحاكي ظاهرة خطيرة عانى منها المجتمع المصري في الثمانينات هي (اجبيشن موني، نوووو دولر).

 

ويبدو بأن الفيلم نجح بشكل مباشر أو غير مباشرة في الحد من تداعيات هذه الظاهرة التي كانت تضر بصناعة السياحة وسمعة الدولة ومظهرها أمام العالم الخارجي.

 

قد يسأل البعض على أي أساس بني هذا الحكم، خاصة عند من يحاول تسويقه وهو بعيد عنه زمنياً وجغرافياً؟

بإمكاننا القول باختصار بإن الزعيم عادل إمام، ومعه وقبله وبعده نخبة من كبار الفنانين كان لهم دور بارز في التصدي لمد التطرف والإرهاب الذي ضرب مصر في حقب تاريخية غابرة، بأفلامهم وقفشاتهم ورسائلهم في الحوارات التي استنطقت أيضاً طائفة من كبار المفكرين والأدباء، الذين تركوا بصمة ثقافية وتوعوية قلمت أظافر الإرهاب، وعرت رموزه الدموية، فهل يعقل صعوبة أو استحالة تدخلهم لمعالجة ظاهرة اجتماعية اقتصادية كـ(الشحاتة)؟!.

 

هنا نحن نتحدث عن تاريخ ماض لن ننفصل عنه وليس بمقدورنا طي صفحاته إلى الأبد، فلا أحد يقحمنا في مشكلات قائمة حالياً بحجج وذرائع ظاهرها إنساني لكن جذورها سياسية صرفة، فمحاولات الاصطياد في الماء العكر هي التي جعلتنا نغرق في مستنقعات ضحلة، وأفقدتنا القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ، وفرقت شملنا بعد أن كنا أشبه بكتلة مجتمعية متجانسة.

 

لو أعدنا مشاهدة فيلم المتسول، لوجدنا أنه مليء بالإسقاطات الرمزية السائدة في مجتمعاتنا المفككة في العقد الأخير، فالتسول بات قائماً على نظام (مؤسسي) ترعاه وتدعمه سلطات خفية، توزع المهام والاختصاصات بين عناصرها، فـ(مؤسسة) الشحاته هيكلها عصابة، يتزعمها شخص يدير أصول اللعبة بأرت طويل من الخبرة في كيفية استعطاف الناس والتقاط النقود من جيوبهم بالدعاء والدموع و”السلبطه” ونستطيع هنا تشبيهه بـ”هموش”، أما مجلس إدارته فقد يضم من يتماهى مع شخصية الدكتور جمعة، “أكبر خبير” للشحاتين، الذي يتقن رسم مواصفات المتسول الخارجية، ويمنحه الدرجة التي تؤهله للمهنة الجديدة بعاهة مستديمة أو خدعة تنكرية أو وفقاً لنظام (أرحموا عزيز قوم ذل) الذي كان من نصيب عادل إمام، الشاب الجاهل والفقير والمنحوس، بعد أن وقع في قبضة (….الغبي).

 

التراجيديا الطافحة في الفيلم، كانت تتجدد في كل جدال يتغيا “تمييز” الشحاتين عن اللصوص والحرامية، وهي نظرة نجحت منعطفاته في تضييق مساحات البعد البؤري فيما بينها، فاللص: (يسرق عيني عينك وهو عارف أنه حرامي، لكن نحن نسرق الناس باسم الله، بنقول لله عشان نطلع اللي في جيوب الخلق).

 

كما صور الفيلم المؤسسة، بأنها تكافئ المتسولين بـ”شهادات” تخرج كلما كانوا أكثر قدرة على استدرار أموال الشحاتة، وترفع رتبهم ومستحقاتهم، بعد أن طبعت بعضهم أو معظمهم بـ(عاهة انتكه) كافية في مرحلة أولى لنيل (بكالوريا) التسول، إنفاذاً لقاعدة أن “الناس تأكل من عرق جبينهم. هنا بتأكل من عرق عاهاتها”.

 

هذه (العاهة) التي ذكرها الفيلم، تجددت فصولها في وقتنا الراهن، فمعظم الشحاتين هم من المقعدين أو المشوهين والعجزة، والأطفال هزيلي الجسد أو الكسيحين خلقياً، وبانتشار الأمراض والفقر والمجاعة لم تعد مؤسسة (رعاة التسول) بحاجة إلى زرع عاهات إضافية في من يسقطه حظه العاثر تحت براثنها، يكفيها فقط توزيعه في مربعات جغرافية مأهولة بالسكان، وإلزامه بمواعيد دوام ومبلغ مالي يجمعه يومياً حتى يضمن عدم تعرضه للاعتداء والحماية، ومنحه أيضاً الـ(بوكت موني).

 

فرادة أداء مؤسسات التسول المحلي يمكن قياسه، بقدرتها على الابتكار في فنون الشحاتة، من قرع باب المنزل إلى إلقاء الخطب في المساجد بعد الصلاة، إلى زرع عناصرها وسط خطوط السير وفوق المطبات الصناعية.

 

كلها مظاهر يشكو منها المجتمع لكنه عاجز عن كبح جماحها في زمن الحرب بكل ويلاتها، في حين التزمت السلطات بموقف المتفرج وكأنها غير معنية بتداعياتها، فلم نسمع عن تنفيذها حملة لضبط المتسولين وتصيد خبرائهم، ولا طلبت العون المجتمعي كاستشارة لتحديد ملامح علاج الظاهرة حتى من باب ذر الرماد على العيون.

وعموماً يبقى القاسم المشترك على ما يبدو بين شحاتينا البساط وبطل فيلم المتسول “القناعة” بتداول العملة الوطنية، ونستطيع القول إنهم امتدادا طبيعيا لشحاتينا الكبار في الخارج، مع فارق في الانتماء والعملة أو العمالة أو كلاهما معاً!.

 

 

الوسوم

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: