ثقافة وفن

“كيف تصبح #كردياً في خمسة أيام؟”

(حضرموت21) ثقافة وفن

(كيف تصبح كرديا في خمسة أيام؟) تحت هذا العنوان المحيّر، يكتب الشاعر السوري الكردي مروان علي، بأكثر من جنس أدبي، يجمع ما بين الشعر والقصة والسيرة الذاتية.

والكتاب لا يُرشد قارئه، بالطبع، إلى الطريقة التي يمكن أن يصبح فيها كرديا بخمسة أيام، بل يريد الكشف عن ألم ومأساة شاعر وإنسان، سواء في وطنه الأم، أو بلد الاغتراب، إنما بخمسة أيام قُسّمت بدورها إلى مقاطع معنونة منفصلة.

ألم متواصل، مفارقات الحياة السورية المرعبة منذ أيام حافظ الأسد، كما يبدو في الكتاب، مكان الشاعر المهدد أصلا في مثل تلك البنية الحديدية العنيفة. داخل كل هذا تخرج لغة تشبه ما تتضمنه، من فجيعة وصدمة ومأساة.

الكتاب من منشورات العام الجاري، وصدر عن دار المتوسط، في إيطاليا، وبالتعاون مع دار السويدي في الإمارات العربية المتحدة.

ينتمي الكتاب إلى نوعية من الكتابة، تجمع عدة أجناس أدبية. فهو شعر من جهة، وقصة من جهة، وسيرة ذاتية من جهة أخرى، وفي بعض الأحيان تظهر لغة الخبر الصحافي. واشتهر في تلك الكتابة، إدواردو غاليانو، خاصة في كتابه الشهير (ذاكرة النار) حيث علّق بنفسه على أسلوب تأليف كتابه فقال: “لا أعرف إلى أي الأجناس الأدبية ينتمي كتابي هذا؟”.

ويشار إلى أن دمج الأجناس الأدبية، في كتاب واحد أو نص واحد، يعتبر (مخاطرة) أسلوبية، إلا أنها في المقابل، تقدم نصا قريبا من الناس، يعْبرهم بهدوء ويؤثر فيهم دون أن يشعروا بذلك: “قطعان الغنم ورعاة شمس الظهيرة الحارقة. أطفال عراة مثلنا. يومها عرفت الألم لا حدود له ولا لغة ولا جغرافية أيضاً”. يقول علي المقيم منذ سنوات في ألمانيا.

وفي مقطع آخر عن جبال الأكراد في كردستان: “كلّهم مَرّوا/ فوق جبالنا العالية/ كلهم ذهبوا/ وبقيت الجبال”.

الكتاب وإن كان مقسما على خمسة أيام، فهو مختصر ما يشبه سيرة ذاتية، في قالب سردي، غالباً، وشعري أحيانا، إلا أن الفارق ما بين الشعري والسردي، يتضاءل في مثل تلك اللغة الواردة فيه، فهي ألم متواصل وعنيف يتذكر تفاصيل الطفولة في بلاد “حافظ الأسد” وتماثيله التي لا تحصى، خاصة أنه بالقرب من تمثال حافظ يوجد “فرع المخابرات العسكرية”.

يتحدث، علي، أن تمثال الأسد كان “خائفاً” في القامشلي، ويخبّئ “رأسه بين يديه ويغمض عينيه، كي لا يرى ما يحدث حوله”. وبعد انتفاضة الأكراد على النظام السوري، عام 2004، فقد اختفت صورة حافظ وابنه باسل ثم ابنه بشار رئيس النظام الحالي، وكذلك اختفت صور حسن نصر الله.

ستذهبون إلى الجنة لأنكم جنود حافظ الأسد!

الكتاب أفاد من تعدد الأجناس الأدبية المدمجة بنص واحد، فصار سهلا عليه العودة خلفاً والحفر في أوراق الماضي السوري المخيف، فنجد ذكرا لأحد ضباط الأمن التابعين للنظام، وهو محمد منصورة: “ظل محمد منصورة رئيساً لمحافظة الحسكة بكل ما تحمله كلمة رئيس من معان” يقول علي ويضيف عن منصورة أنه بإشارة من حاجبه، وحسب، يتم “جرّ” الشخص من “شَعره ورموشه” تعذيباً وعنفاً يصل إلى الحد الذي يقول فيه ضابط الاستخبارات لعناصره: “ستذهبون جميعاً إلى الجنة، لأنكم جنود الرفيق القائد حافظ الأسد، ولأن في الكون جهنماً واحدة، هي الموجودة عندنا في الفرع!”.

سهولة اختيار الموضوعات، والتي وفّرها اندماج الأجناس الأدبية، مكّنت مروان علي من قول كل شيء وأي شيء وفي أي سياق، فهي لغة تداعٍ وحنين وتوجس، ما بين قوّتي حس الاغتراب والشوق إلى الوطن، يمكن نقل أي تفصيل: “أنا شيركو، ضربتُ مروان ابن عمي، علي، الذي يكتب عني الآن، ألف مرة. وسأضربه إذا عاد ثانية من هولندا!”.

وفي سخرية بطعم حاد للغاية، يتحدث عبر مقطع شعري هذه المرة، عن وحشية القصف والحرب وقتل الأطفال في سوريا، فيقول: “للطيار أطفال وزوجة وبيت صغير، مثل البيت الذي قصفه منذ قليل/ وحين يعود إلى البيت/ سيحدّث أطفاله عن الأعداء: بيت وأطفال وشجرة!”.

كيف تصبح كرديا في خمسة أيام؟ ديوان سردي شعري، ألم سوريين عبر ضمير المتكلم الذي يعكس رواية الشاعر الكردي نفسه وغيره، وإذ ذاك، فإن الأيام الخمسة، هي مجرّد “عيّنة” من ماضٍ سوري مثقل بالرعب، إنما بقالب السرد، والسيرة، وانخطاف اللحظة الشعرية.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: