fbpx
ثقافة وفن

كرَّموها حتى على أبنائهم وأموالهم.. أسماء #خيل العرب

(حضرموت21) ثقافة وفن

أُفرد في العربية القديمة مصنفات تكاد لا تحصى عن الخيل وأسمائها وصفاتها ونسبها. ذلك أن الخيل، إلى جانب الجِمال، كانت رفيقة العربي في دربه الطويلة التي يتنقل فيها من قلب الجزيرة العربية إلى الشام والعراق والبرّ التركي الجنوبي ومصر وأرض فارس وجنوب جزيرة العرب في اليمن كلّه.

وكان تعلّق العربي بالخيل لا بصفتها مجرد وسيلة نقل وحسب أو أداة تدخل في الطعان والحرب أو جزءا من مظاهر الثراء والقوة، بل تعامل العربي مع الخيل بطبيعتها نفسها والقائمة على القوة والمنعة والعزة، فوصل تعامل العرب معها حدّ أن “تكرمها وتُؤثرها على الأهلين والأولاد”. كما ورد في “نسب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها” لابن الكلبي، هشام بن محمد السائب، المتوفى سنة 206 للهجرة، والذي يعدّ أحد أقدم المصنفات العربية في الخيل.

لغويون: أجداد خيل العرب ثلاثةٌ

ويدلّل أبو عبيدة معمر بن المثنى، والمتوفى سنة 204 للهجرة، على سبب إكرام العربي الخيل، من إكرامه طبيعتها ذاتها، لا لانتفاعه منها وحسب، فيقول: “لم تكن العرب في الجاهلية تصون شيئاً من أموالها ولا تكرمه، صيانتَها الخيل وإكرامها لها، لما كان لهم فيها، من العزّ والجمال والمنعة”، حسب ما ورد في كتابه المعروف بـ(كتاب الخيل).

وعمد الإخباريون العرب، لدى تكلمهم عن الخيل، إلى ربط تاريخها بتاريخ العرب ذاتها، لما لها من مكانة جليلة استمدتها من طبيعتها السلوكية، لا بصفتها تؤمن منافع، وحسب. فمثلما يشار إلى العرب المغرقة في القدم، بالبائدة، وبالآفل منها، والقائم، فكذلك الخيل: “ويقال إن أصل خيل العرب من فرس زوّده سليمان عليه السلام ناساً من العماليق يقال له زاد الراكب” يقول ابن الأعرابي، محمد بن زياد المتوفى سنة 231 للهجرة، في (أسماء خيل العرب وفرسانها).

ولأن المصنفين أشاروا إلى لحظة بدء معينة، من زمن العماليق، وهو ما يشار إليه أيضاً بصفته زمن أول من تكلم العربية، ويقال إنهم أقدم العرب زماناً، كما يورد الإخباريون القدامى وينقل المعاصرون عنهم، سنجد اللغويين والرواة الذين تناولوا أنساب الخيل وأسماءها، يحدّدون أصل خيل العرب ومنذ زمن العماليق المزعوم بـ: زاد الركب أو الراكب، والهجيسي، والديناري.

العرب والعربية والخيل

وبغض النظر عن مدى فحص القيمة العلمية والتاريخية لهذا التحديد، إلا أن هاجس الإخباريين العرب بتأصيل الخيل، كان بمقدار هاجسهم بتأصيل العرب نفسها، حيث أُشير للاثنين بزمن غابر ذاهب ماضٍ اندثر وهو زمن العماليق وما قبلهم، باللغة ذاتها والمفردات ذاتها التي يشيرون فيها إلى أصل اللغة العربية، ليبدو أن الخيل والعربية والعرب، حُملوا بذات المنهج عند المصنفين والرواة والإخباريين، لهذا أصبح مفهوما لماذا كل من كتب عن خيل العرب، كان إما لغوياً أو راوية أو شاعراً أو ناقداً أو نحوياً، أو كل هذه مجتمعة، كالأصمعي، عبد الملك بن قريب المتوفى سنة 216 للهجرة، وله (كتاب الخيل) أيضاً.

وبعد البدء بالأجداد الثلاثة لخيل العرب، صار يمكن تأصيل نسب الخيول، فيقال عن أحدها ابن هذه وهذه ابنة ذاك، وهكذا، مرفقة بالأسماء التي اختار لها العرب ما يناسبها من صفات ومزايا ووظائف، فوضع العرب في الخيل عشرات المصنفات فضلا مما يرد عنها في أجزاء متناثرة من كتب اللغة والإخبار والرواية، حتى القرن الحادي عشر الهجري والذي شهد كتاب (رشحات المداد فيما يتعلق بالصافنات الجياد) لمحمد الحلبي المتوفى سنة 1098 للهجرة.

للخيل أسماء البشر أيضاً

وبسبب القيمة الممنوحة للخيل، لما تمتلكه من مزايا الرفعة والقوة، فلم يكن هناك من حرج على العربي، أن يطلق أسماء البشر على الخيل، فكان من أسمائها: “زياد” و”زبير” و”السيّد” و”عمير” و”مازن” و”الكامل”.

وكانت أسماء الخيل تأتي تبعاً لصفاتها أو مزاياها، من مثل (مزاحم) وهو مستمد من الاقتحام والمعاندة، و(يعبوب) وهو الفرس السريع، ويقال عن الجدول سريع الجريان بمائه، و(زِرَّة) وهو اسم يمنح صاحبه قوة التحمل والشدة والبأس، لأن الزرة هي أثر العضة.

ومن أسماء الخيل الشهيرة، الأدهم، ما ينطوي على اللون الأسود ويشتق منها الدّهم والاقتحام والمفاجأة، وأدهمه، ساءه. ومن أسماء الخيل (كَزاز) وهي من اليبس والانقباض، ومن أسمائها (الخوصاء) وهي الريح شديدة الحرارة.

ومن أسماء الخيل (جنبر) وتعني الجمل الضخم، و(الشَموس) تقال للخمر وتسمّى بها البنات أيضاً، و(الهِراوة) وما تشتمله من معنى الضّرب، و(الواقعُ) و(زِيَم) ومن معانيها الغارة والمتفرّق من اللحم، و(المتمطّر) بجميع مدلولات الكلمة والتي منها التسابق، و(الظليم) ومن أحد معانيه ذكر النعام، و(النهّات) لأنه كان ينهت في صوته، و(المألوق) وهو من أسماء المجنون، و(العمرَّد) الطويل من كل شيء والشرس الخُلق، و(سَكاب) من السكْب ومعنى دهم الشيء والنزول عليه.

معتوه يلقّن لغوياً درساً بتسمية الخيل!

وأسماء الخيل كثيرة وترد في المعجمات ومنقولات الشعر، إلا أن المصنفين الذين وضعوا كتباً في أسماء الخيل وأنسابها، جمعوا كل ما عثروا عليه في المرويات والأخبار والأشعار، فأحصى ابن الأعرابي أكثر من مئتي اسمٍ لخيل العرب ومنها: اليعسوب، هذلول، المألوف، الأبجر، رغوة، جلوى، أعوج، الخذواء، الأجدل، الرقيم، الظل، الضرس، السرحان، الصبوح، الجرادة، الأحوى، الحرون.

ويقول (تاج العروس) إن الخيل هي جماعة الأفراس ولا واحد لها، لكنه يرجّح أن المفرد في الخيل، هو (خائلٌ لأنه يختال). ويعزز هذه الرواية بقصة قدوم “معتوه” إلى اللغوي أبي عمرو بن العلاء وسؤاله لم سمّيت الخيل خيلاً؟ فقال له اللغوي: “لا أدري” فقال المعتوه: “لكن (أنا) أدري” فرد ابن العلاء: “عَلِّمنا” فقال: “لاختيالها في المشي”. فقال ابن العلاء لأصحابه: “اكتُبوا الحكمة وارووها ولو عن معتوه!”.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: