كتاب ومقالات

عن خسارة وطن برحيل بارجاء .. مقال لوليد التميمي

( حضرموت 21 ) وليد التميمي




يموت المبدع في اليمن أكثر من مرة، عندما تداهمه خطوب الزمن ويبتليه الله بمرض عضال، يموت حين يتخلى عنه من تاجروا باسمه وهو حي، ويستثمرون معاناته وهو طريح الفراش، وعند رحيله يتهافتون على ذرف دموع التماسيح ونشر التعازي والتسابق على تقديم أفكار تأبينه ليلمعوا صورهم القبيحة، ويحددون أرباحهم في صفقة فساد جديدة تضاف إلى سجلهم الأسود.

جديد داخل المقالة

يموت المبدع لأنه إنسان، رهيف المشاعر، عظيم الإحساس، بما يدور من حوله، كل شاردة وواردة تمسه مباشرة تترك آثارها الحميدة أو مخالبها في روحه قبل جسده، وعندما تنهار قواه بالمرض، يبقى يقظاً، ومتحفزا لكل كلمة طيبة، وسلوك نبيل، ومظاهر حب صادقة من الغريب قبل الصديق، من البعيد قبل القريب، ترفع من معنوياته، تجعله أكثر تصميما وإرادة على قهر معاناته، على مواصلة رحلته في الصمود والتضحية من أجل الوطن والناس، لكنه عندما يجد من وظفوا عطائه في سوق النخاسة السياسي، يتنكرون لصنيعه ومعروفه، ويتهربون من مسؤولياتهم الأخلاقية بأعذار وقحة، أو بتجاهل معيب، يؤثر الاستسلام ويقرر الرحيل، يدير ظهره للجميع دون أن يقول وداعاً.

كم من مبدع في حضرموت فارقنا، وبنبأ موته فقط، صحونا من غفوتنا، واستيقظنا من سباتنا العميق، فجأة نقف أمام شريط طويل من إنجازاته، نتلمس بصماته، نستعيد إسهاماته في الذود عن قيم المجتمع، في تضخيم رصيده الحضاري والإنساني، وبكل صفاقة نتباهى بها، آخرهم وليس أخيرهم بالتأكيد الراحل الكبير بارجاء، وقبله نجم كرة القدم عمارو والمؤرخ عبد الرحمن عبدالكريم الملاحي وغيرهم كثر. وكالعادة نختبئ خلف أصبعنا، في محاولة بائسة لإنكار أننا نحن أيضا حاربناهم أحياء بالصمت وهم يواجهون الرياح العاتية التي تسعى لاقتلاعهم من جذور الأرض التي سقوها بعرق موهبتهم الربانية وإبداعهم الأصيل واجتهادهم اللامحدود.

اين كنا وبارجاء يصارع الموت؟، أين كنا وهو يستميت ليبقى إلى جانبنا ونحن في مسيس الحاجة لحضوره بيننا، أين كنا ونحن نرى الحكومة الشرعية والسلطة المحلية تتقاذفه حتى تبريء ذمتها من مآلات مرضه؟. جميعنا وفي مقدمتنا من يحسبون أنهم أصدقاءه من الأدباء والمثقفين والنخب شركاء في مفاقمة حسرته ووجعه قبل موته، شركاء في جعله يطرق أبواب من لا يقدرون قيمته كمبدع وإنسان، من لا يعرفون من هو بارجاء؟ لأنهم غرباء على حضرموت التي بداخلنا، طارئون عليها وعلينا، رسالتهم أن المبدع هو من يكتنز الثروة، هو من يثخن أرصدته في البنوك في الداخل والخارج، من يطرد الملل والسام برحلات استجمام خارجي، وعلى نفقة الدولة، هذا هو المبدع/ المسؤول الذي يعد الوطن في منظوره لعبة “مونوبولي”، أما المبدع من أجل الوطن والمحارب في سفره النضالي، فليكتفي بحسن السيرة والسلوك، والموت مرضا أو قهراً أو ندماً على سنوات عمره التي قضاها في خدمة الوطن.

كلمتي الأخيرة إلى روح بارجاء وغيره من المبدعين الكبار نحن صغار في حضوركم، أقزام في غيابكم، ليس احتقارا لأنفسنا ولا انتقاصا من أرواحنا لكنها الحقيقة المرة، التي يحاول بعضنا للأسف تجاوزها بعنتريات وهمية، بخلق رموز كرتونية عوضاً عنكم، أنتم الإبداع في أجلى صوره، الأصالة في أبهى أشكالها، سنبكيكم كثيراً ونعض أصابع الندم لأننا لم نفيكم حقكم أحياء ونحاول تعويض خسارتنا برحيلكم بالنواح والدموع، وقلة نعم قلة هم من يدركون كيف يكون الوفاء لذكراكم، بالحفاظ على موروثكم، بالاقتداء بتجاربكم، برعاية ذويكم وعدم التخلي عنهم أبداً. يا كل حضرموت نحن من بعدكم مجرد هوامش وكتلة من العدم.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: