العالم الآنعربي وعالمي

#أردوغان .. ولعبة الوكيل في خدمة الأصيل لنهب ثروات #ليبيا وتحقيق الأطماع الإستعمارية

(حضرموت21) تقرير – محمد مرشد عقابي

يرى الكثير من المراقبين للمشهد الليبي بان التدخل الأميركي في شؤون هذا البلد لم يكن وليد اللحظة وان غيب إعلامياً لفسح المجال لشريكه التركي لتنفيذ الأجندات التخريبية المشتركة، مشيرين الى ان تمويل ودعم الميليشيات الإرهابية بالسلاح وضخ المرتزقة إلى الأرض الليبية لم يكن من صنع النظام “التركي” وحده وانما اتى نتاج تنسيق مشترك مع الحليف الأميركي.

تمخضت تسع سنوات من الحرب على “ليبيا” في الإنكشاف التأريخي للإخوانية السياسية “المحلية” شعارات وممارسة، باعتبارها وصفة أيديولوجية للتبعية والإرتهان للخارج، وكذا في عودة تجلي حقيقة أن الأطماع الأردوغانية العثمانية في ليبيا معززة بالنزعات العنصرية الطورانية تنسحب على التراث الروحي والثقافي والعقائدي والديني الليبي، عدا عن الإلحاق بالسياسات والإستراتيجيات العسكرية الأميركية.

ويؤكد عدد من المحللين السياسيين ان علاقات “أردوغان” الوثيقة مع “ترامب” تعد واحدة من أهم العوامل التي تعزز الموقف العدائي لرجل تركيا القوي، بالإضافة إلى شغفه الشديد لإستخدام القوة العسكرية، ويدعم ترامب أردوغان من خلال مبعوثيه الذين يستخدمون مهاراتهم في اللغة التركية لتشجيع أعمال أردوغان دون اي إدانة للإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي تم توثيقها مؤخراً، حيث قالت “ماينزا” رئيسة اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية “ان الحكومة التركية تدير عملية تؤدي إلى التطهير العرقي”.

ولم يكن هناك انتقاداً موجهاً من واشنطن ولكن على العكس من ذلك أصبح “ترامب” بمكالماته الهاتفية المتكررة لـ”أنقرة” الداعم الكبير لـ”أردوغان” ضد ليبيا، وهو الشيء الذي يؤكد بان “واشنطن” غير بعيدة عن الملف الليبي خاصة عندما دخل المشهد الليبي مرحلة جديدة من التوتر والتعقيد بعد احتدام المعارك والمواجهات الدامية بين الجيش الوطني الليبي الذي يقوده الجنرال “خليفة حفتر” وقوات ما تسمى بـ”حكومة الوفاق” المدعومة من تركيا في العديد من المناطق حول مدينتي “سرت والجفرة” الإستراتيجيتين، واتساع رقعة الخلاف بين الطرفين فيما يتعلق بإيرادات النفط الليبي بعد التصريح الحاسم للرئيس المصري باعتباره خطاً أحمر، وبأن تجاوزه يهدد الأمن القومي المصري وسيستدعي تدخل الوحدات المصرية مباشرة.

ويحمل خط “سرت ـ الجفرة” من الأهمية الإستراتيجية الكثير وتجاوزه يعني وصول وحدات الوفاق والمدعومة بشراسة من “الأتراك” ومن مجموعات مسلحة سورية “إرهابية” وغيرها إلى تخوم الهلال النفطي الليبي بين “الزويتينة” غرب بنغازي وبين “السدرة” شرق سرت، مروراً براس لانوف وبالبريقة، وبأغلب مصافي النفط الليبية التي تحضن مع الموانىء المذكورة 80 بالمائة من النفط الليبي، الأمر الذي يعطي من يسيطر عليه (الهلال النفطي) امتيازات ومكاسب سياسية ضخمة مع التسوية السياسية لو سلكت او من دونها.

وبحسب مراقبين جاء التحرك “الأميركي” العاجل والذي كما يبدوا حاول مجاراة التحرك الدولي الآخر الذي عمل على تثبيت تقدم الوفاق شرقاً والمتمثل بـ”الروسي والفرنسي” والمدعوم طبعاً من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومن مصر، حيث تشكل هذه الدول الخمس دعامة اللواء “خليفة حفتر” ورافعته في هذه المواجهة، ومن هنا تدخل الأميركيون على خط المواجهة مباشرة وكالعادة من خلال غطاء من العبارات التقليدية في سياستهم مثل (تسوية سياسية وحل الميليشيات ووقف إطلاق النار) وبهدف مخفي يقوم على السعي مع تركيا لخلق جبهة قوية تسمح لحكومة الوفاق بتجاوز خط “سرت – الجفرة” والوصول الى الهلال النفطي.

وتساءل كثير من المهتمين بالشأن الليبي عن التحرك الأميركي المفاجىء حالياً، وغياب اية مبادرة سابقة للأميركان خصوصاً عندما كان القتال مستعراً على مداخل ومناطق جنوب وشرق “طرابلس” وعلى قاعدة “الوطية” او منطقة “غريان” و”ترهونة” وغيرها؟، وتؤكد الوقائع الحية بان الأميركيين داعمون أساسيون للموقف التركي، إذ ان جبهات الحرب العدوانية العديدة التي فتحها “أردوغان” أضحت مثار تساؤل في كل الأوساط العالمية، ففي وقت واحد استمر في عدوانه الغاشم على سورية وزاد من احتلاله غرباً وشمالاً ودفع بقواته إلى شمال العراق إضافة إلى وجوده الإحتلالي سابقاً بالقرب من الموصل ودعمه لمليشيا الإخوان اليمنية في حربها على ابناء الجنوب العربي، كما أرسل مرتزقته إلى ليبيا وأصبح لديه أكثر من 14 ألفاً من هؤلاء “المرتزقة” هناك لدعم حكومة “السراج”، ونقل مرتزقته وجنوده إلى الصومال واليمن لزعزعة أمن واستقرار المنطقة، وفي عرض البحر الأبيض المتوسط يقوم بالتنقيب غير الشرعي عن النفط والغاز ويطلق تصريحات نارية ضد كل من يعترضه، وفتح جبهة مواجهة مع “اليونان وقبرص ومصر” ووصلت الأمور بينه وبين “فرنسا” الى حد لأمس الصدام العسكري بسبب اختلاف مطامع الجانبين هناك، وتعالت الأصوات في “أوروبا” بفصل تركيا من حلف (الناتو)، ويهدد ويتوعد الدول الأوروبية بفتح حدود تركيا لتدفق المهاجرين وإغراقها بموجات جديدة منهم اذا وقفت ضد خططه التوسعية في “البحر الأبيض المتوسط وفي ليبيا وشمال إفريقيا وفي سوريا والجنوب العربي”.

ويرى الكثير من المتابعين للمشهد التركي بانه لا يوجد مثيل لهذه العنتريات “الأردوغانية” وهذا “التنمر” غير المسبوق إلا ما قام به “هتلر” في ثلاثينيات القرن الماضي عندما فتح جبهات الحرب والمواجهة والعدوان في طول القارة الأوروبية وعرضها واحتلت جيوشه العديد من الدول شرقاً وغرباً في محاولة لتحقيق أحلامه المريضة في احتلال العالم وتنفيذ مشروعه النازي الأخرق وأشعل حرباً عالمية أكلت الأخضر واليابس وأزهقت أرواح أكثر من ستين مليوناً من البشر.

ولا يخفى على اي متابع ان وراء هذا التمادي في العدوان والإحتلال تشجيع من إدارة “ترامب”، إذ لا يعقل أن يهدد “أردوغان” كل الدول الأوروبية وينقلب على اتفاقات حلف “الناتو” ويتجرأ على مساحات واسعة من مياه البحر الأبيض المتوسط وأن يمد يده إلى نفط وغاز “ليبيا” وثرواتها المعدنية الهائلة من دون رضا وموافقة الأميركان وبالشراكة معهم في النهب والأطماع ويبدو أن البيت الأبيض اعتمد نظام “أردوغان” من جديد مع بقايا التنظيمات الإرهابية في أكثر من مكان لتنفيذ أجندته التي فشلت مع دحر الإرهابيين في سورية والعراق واليمن.

واكدت الأسابيع الماضية من المعارك الطاحنة بما لا يدع مجالاً للشك ان رأس النظام التركي مستعد للذهاب حتى إلى حرب إقليمية طويلة الأمد من أجل تثبيث أقدامه في ليبيا أو في غربها على الأقل، ومن الأدلة الكثيرة على ذلك نقله آلاف المسلحين المرتزقة ودعمهم بالأسلحة والضباط وعناصر المخابرات التركية لإقتحام مناطق عديدة كانت تحت سيطرة الجيش الليبي وهو بذلك يؤكد أن عينه على أهم وأغنى مناطق الوسط الليبي الغنية بالثروة والنفط والغاز.

وتشير المعطيات القادمة من ليبيا والتي تكشف تباعاً من خلال تواتر الحديث عن النفط وإيراداته وتقسيم الحصص الى ان دوافع “أردوغان” للتدخل في ليبيا لا ترتبط بالعلاقات التأريخية بين البلدين او الحرص على الحقوق الشرعية لليبيين كما يدعي، لا سيما أنه لا يقيم وزناً لمثل هذه الحقوق داخل بلده، فـ”ليبيا” بمساحتها الكبيرة وثرواتها الهائلة تعتبر مدخلاً لـ”أردوغان” من أجل اكتساب نفوذ سياسي واقتصادي في الدول المغاربية والعمق الإفريقي وحوض المتوسط عموماً، وبالتالي فإن دولة بمساحة جغرافية كبيرة وذات ثروة نفطية هائلة كـ”ليبيا” تعتبر كنزاً لحكومة تعاني اقتصادياً كالحكومة التركية.

وتستورد تركيا سنوياً ما يعادل 40 مليار دولار من النفط والغاز، ورغم النهب الذي تعرضت له احتياطات ليبيا المالية خلال فترة حكومة “السراج” فإن ما يزيد على 80 مليار دولار من الأموال الليبية غير الخاضعة للتجميد او العقوبات ما زالت تحت إمرتها، وبالتالي من الممكن أن تنتقل هذه الأموال إضافة إلى إيرادات النفط والغاز إلى عهدة “تركيا” إذا ما نجحت مخططاتها في هذا البلد العربي الأفريقي.

ويستنتج الكثير من المتابعين لتطورات المشهد على الساحة الليبية بان الأطراف الدولية لن تسمح لتركيا “أردوغان” ان تكسب دوراً إستراتيجياً في ليبيا، حتى وإن كان ما تظهره لا يعكس ذلك، حيث ترى هذه الأطراف تركيا بانه ليست سوى دمية تتحرك وفق معطيات “مرحلة مؤقتة” في ظل الإنشغال الدولي بأزمة كورونا، ولا يهم هنا بحسب رأي الخبراء ان تدعم تركيا الطرف الذي تعترف به الأمم المتحدة اي حكومة الوفاق، لان هذا الإعتراف قيمته “صفر” في ميزان الصراع الدولي على ليبيا، وعلى تركيا ألا تمني نفسها بالكثير ففي لحظة يمكن لهذه الأطراف ان تسلبها كل ما كسبته في هذا البلد، كما ان العديد من دول الجوار والدول الإقليمية لن تسلم بمسألة النفوذ التركي في ليبيا، لذا ليس من المرجح انها ستقف عند حدود إطلاق التصريحات والتحذيرات فقط، علاوة على ذلك فان الطرف الآخر والمتمثل بالجيش الوطني الليبي بقيادة المشير “خليفة حفتر” والذي لن يقف مكتوف الأيدي بل سيرد وسيسعى بكل قوة لإستعادة ما خسره وهذا أمر ربما لن يتأخر بل انها مسألة وقت قصير فقط قبل ان تبدأ عاصفة الهجمات المرتدة، ضف الى ذلك فان الجيش الوطني الليبي “سيخرج من المعادلة الليبية في أي لحظة”، كما يقول “أردوغان”، فهذه أوهام تملأ رأسه وتجعله ينسى ان المعادلة في ليبيا دولية وليست داخلية.

ويتمثل الخطر “الأردوغاني” اليوم بحسب تأكيدات العديد من المراقبين في تهديد الأمن والإستقرار في “ليبيا ومصر والمغرب العربي” والرغبة في التحكم بعمليات استخراج وإمدادات الغاز في البحر المتوسط، وهو ما يتطلب إعادة الإعتبار للأمن القومي العربي بمفهومه الواسع، فما يقوم به النظام التركي هو استباحة سافرة لا تعكس ميزان القوى على الأرض بقدر ما تعكس الإستقواء بدول الغرب سيما الولايات المتحدة واللعب على المتناقضات بما يخدم جدول أعمال شوفيني متجلي بنوع من جنون العظمة، وإذا كان المتضرر الأكبر من هذا الصراع هو الشعب الليبي بالدرجة الأولى فإن دول الجوار الليبي العربية ستتلقى بعض الأضرار الفادحة خاصة وان هذا الرجل الأرعن الطامح ذو جذور عثمانية ولن يتوقف عند حدود ليبيا بل سيترافق مشروعه التوسعي مع شبح الإخوان المسلمين الذي يخيم على جزء من المشهد المصري والمغاربي وبالتالي لا بد للدول العربية من ان تفعل من حضورها القوي والمؤثر في المشهد الليبي للحيلولة دون تجذر النفوذ التركي وترسخه في عمق هذا البلد العربي.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: