محليات

قبائل #مأرب تعيد ماء الوجه المهدور لقبائل العربية اليمنية بصمودها في وجه آلة البطش الحوثية

( حضرموت21 ) محمد مرشد عقابي

تتواصل الحرب الضروس بين قوات حكومة العربية اليمنية المعترف بها دولياً برئاسة “عبد ربه منصور هادي” من جهة ومليشيا جماعة الحوثي الإنقلابية المدعومة من إيران من جهة أخرى للعام السادس على التوالي، وتخلل هذه الحرب سيطرة الأخيرة على مساحات شاسعة من مناطق اليمن، فيما احتدمت المواجهات العنيفة بين الطرفين مؤخراً على محيط وأطراف محافظة مأرب النفطية وتدفع المليشيات بكل ثقلها لإسقاط هذه المحافظة والسيطرة عليها.

وبحسب مراقبين، تواجه حكومة العربية اليمنية تحديات كبيرة في سيطرتها على هذه المحافظة التي تعد أحد آخر مراكز القوة والنفوذ الرئيسية ومعقل أساسي لمعظم القادة الشرعيين في البلاد، إذ تسعى مليشيا الحوثي لبسط سيطرتها على العربية اليمنية بشكل كامل والإستحواذ على موارد النفط والغاز في أهم محافظة زاخرة بالثروات وهي مأرب.

ونجحت القبائل بإسناد من القوات الحكومية والتحالف العربي بقيادة السعودية في التصدي لزحف الحوثيين صوب عاصمة المحافظة ومنعهم من الوصول الى حقول النفط، وتحولت المعركة للسيطرة على مأرب في الأسابيع الأخيرة إلى حرب استنزاف، حيث نشر الحوثيون المزيد من المقاتلين على عدة جبهات، فيما أعتمدت الحكومة للدفاع عن المحافظة بشكل كبير على رجال القبائل المحلية الذين تصدوا لهجوم الحوثيين المتكرر، في الوقت الذي تطرح فيه العديد من الأسئلة حول خيارات وقدرات وإمكانيات الجيش في العربية اليمنية، ووفقاً لتقارير إعلامية، ساعدت إعادة تنظيم قوات الجيش اليمني مؤخراً في إستقرار الوضع جزئياً ولكنه يعتبر إستقرار نسبي هش وهزيل لاسيما في الوقت الذي يلوح فيه إختراق محتمل للحوثيين في الأفق.

واندلع بعد سنوات من الجمود على خطوط المواجهة الصراع المتجدد على مأرب في أوائل عام 2020م مع ضغط الحوثيين على المحافظة من عدة جهات، واستولى الحوثيون في نهاية فبراير “شباط” على مساحات شاسعة من محافظة “الجوف” المتاخمة لمأرب في شمال البلاد، وفي مايو “أيار” نجحت مليشيا الحوثي في إخماد انتفاضة قبلية ضدها في مديرية “ردمان آل عواض” في محافظة البيضاء، وأدى هذا الإنتصار إلى إنهاء معادلة الحياد القبلي حيث كانت أراضي قبيلة “آل عواض” في البيضاء مغلقة أمام القوات الحكومية والحوثيين وهي الديناميكية التي كانت سائدة منذ عام 2015م، وأوجد الحوثيين بإخمادهم الإنتفاضة القبلية ممراً للتقدم نحو “مأرب” من الجنوب في حين استمروا بالهجوم من الشمال والغرب.

ووضع الهجوم على “مأرب” من الجنوب الحوثيين في مواجهة مع واحدة من أكثر الكتل القبلية تعاضداً وتماسكاً وقوة في المحافظة وهي قبيلة “مراد”، ومع عدم استعداد القوات الحكومية او ما يسمى “الجيش الوطني” لمواجهة هجوم مليشيا الحوثي في أعقاب الإنتفاضة القبلية الفاشلة في البيضاء، تركز الثقل العسكري للدفاع عن جنوب “مأرب” على قبيلة “مراد” كبرى قبائل المحافظة، وهو ما أسفر عن تداعيات جدية سواء بالنسبة للمعركة من أجل السيطرة على المحافظة أو من ناحية القتال في أجزاء أخرى من محافظات العربية اليمنية، ومن أجل الدفاع عن أراض القبيلة أستدعت قبيلة “مراد” رجالها الملتحقين بالجيش من جميع أنحاء اليمن للإنصمام اليها في حربها للدفاع عن الأرض والعرض وهو ما أسفر عن إضعاف قوات ما يطلق عليه “الجيش الوطني” في جبهات أخرى.

وتقدم في سبتمبر “أيلول” من هذا العام 2020م الحوثيون في جنوب “مأرب” بعد معركة شرسة وطاحنة في مديرية “ماهلية” ووصلوا إلى أعتاب ومشارف مديرية “الرحبة” التي ينتمي جميع سكانها إلى قبيلة “مراد” والواقعة على حدود مديريتي (الجوبة وجبل مراد) اللتين تشكلان القلب القبلي لأراضي قبائل “مراد” قبل ان يسيطروا عليها لاحقاً بالكامل، وأثارت تلك التطورات الدراماتيكية منذ ان شن الحوثيين هجومهم الكاسح والمتجدد على “مأرب” والاعتماد على القبائل للدفاع عن هذه المحافظة أسئلة متعددة حول الإستراتيجية العسكرية والقدرات القتالية لحكومة الشرعية اليمنية، وبينت هذه التطورات حالة الفشل الذريع للحكومة اليمنية وتنصلها عن دعم قبائل مأرب الموالية لها والمناوئة لجماعة الحوثي.

وكشفت التقارير الإعلامية الكثير من قضايا الفساد التي نخرت في عظام وهيكل ومفاصل الحكومة اليمنية في مأرب منها التلاعب بعمليات التجنيد، بما في ذلك ظاهرة الجنود الأشباح الفادحة والصراع وعدم التنسيق بين القادة العسكريين اليمنيين، حيث انتشرت في الأشهر الأخيرة شائعات عن صراع بين وزير الدفاع “محمد المقدشي” ورئيس هيئة الأركان العامة في الجيش اليمني الفريق “صغير بن عزيز”، وبحسب التقارير فان إخفاقات الحكومة سلطت الضوء على دور ومسؤولية نائب الرئيس “علي محسن الأحمر” الذي يعد من أهم الفاعلين في مأرب بالشراكة مع حزب الإصلاح اليمني الذي يستخدم “مأرب” كحاضنة ومنطقة نفوذ وقوة وسلطة له، حيث عين “صغير بن عزيز” في شهر فبراير “شباط” رئيساً لهيئة الأركان العامة في الجيش اليمني، ولعب هذا الرجل دوراً أكثر تأثيراً على مستوى إتخاذ القرار العسكري بمحافظة “مأرب” في أعقاب عدة هزائم، وأُلقي باللوم على خلفية هذه الأحداث على كلاً من “المقدشي والأحمر”.

ولفتت التقارير الى ان “بن عزيز” يعد أحد خصوم الحوثيين الشرسين وله تأريخ بقتالهم في السابق بمحافظة “عمران” مسقط رأسه عام 2014م عندما كان الحوثيون يزحفون صوب العاصمة “صنعاء”، وعمل “بن عزيز” على إعادة تنظيم وتعزيز دفاعات الخطوط الأمامية لجهات جيش العربية اليمنية واستقدم ضباطاً استبعدوا في السابق وأعاد ترتيب وتعيين الضباط الأكفاء، ونتيجة جهوده لتحسين فاعلية الجيش اليمني كسب الرجل ثقة التحالف العربي ما سيضعه بحسب الترجيحات في موقع جيد ليحل محل “المقدشي” كوزير للدفاع في الحكومة الجديدة المتوقع تشكيلها تنفيذاً لبنود ومصوفات إتفاق الرياض.

وتمكن مقاتلو قبيلة “مراد” الذين يواجهون مليشيا الحوثي من إعادة ترتيب صفوفهم وتنظيم أوراقهم وخطوطهم الدفاعية بعد خسارة مديريتي “الماهلية والرحبة” إذ منحتهم وعورة التضاريس بين “الرحبة وجبل مراد والجوبة” الأفضلية لمعرفتهم طبيعة هذه المناطق عن كثب وبالتالي تحولت هذه الجبهة إلى جبهة إستنزاف شديدة للحوثيين وأعداد مقاتليهم الكبيرة لم تمنحهم أي أفضلية لكسر إدارة رجال قبيلة “مراد” الذين يقاتلون على أرضهم، مما ضاعف من اعداد ضحايا الحوثيين، وتشير طبيعة التضاريس إلى أن جبهة جنوب مأرب قد تتحول إلى جبهة جامدة تشبه بشكل كبير جبهة (صرواح) في شمال غرب المحافظة التي يتسيدها الجمود منذ أعوام مع عدم قدرة أياً من الطرفين المتحاربين إحراز أي تقدم حقيقي يذكر منذ العام 2015م.

وتشمل المعركة من أجل السيطرة على مأرب الآن نطاقاً واسعاً من المواجهة العسكرية التي تمتد بشكل القوس من الجنوب الغربي وصولاً إلى الشمال، حيث تلقى الحوثيون انتكاسة في قدرتهم بالضغط على مأرب من صحراء الجوف شرق مدينة “الحزم” التي تشهد اليوم مواجهات عنيفة بين الجيش اليمني مسنوداً بطيران التحالف العربي من جهة ومليشيا الحوثي من جهة أخرى وتشتد وتيرة المعارك على نواحي البوابة الشرقية للمدينة التي تحاول القوات الحكومية إستعادتها من قبضة الحوثيين الذين اسقطوها قبل اشهر، وفي مأرب استطاع هجوم مضاد شنه الجيش اليمني في سبتمبر “ايلول” بقيادة “أمين الوائلي” قائد المنطقة العسكرية السادسة مدعوماً بغارات التحالف العربي من التقدم عبر مناطق واسعة في الصحراء وبات قريباً من معسكر “اللبنات” وهو ما وضع المليشيات الحوثية في موقف دفاعي محرج ومهزوز لأول مرة منذ سيطرتها على أجزاء كبيرة من المحافظة.

وحاول الحوثيون للتعويض عن ذلك بالضغط عسكرياً أكثر على مديريتي “مدغل ورغوان” في شمال غرب المحافظة اللتين تشكلان أراضي قبيلة “الجدعان”، ورغم قلة أعداد مقاتليها قياساً بقبيلتي “مراد وعبيدة” إلا أن قبيلة “الجدعان” صدت وبشكل استثنائي هجوم الحوثيين وكبدتهم خسائر فادحة، ووفق مصادر عسكرية ثبت أن هذا الدفاع حيوي للغاية إذ أن أي انفراجة في شمال غرب مأرب ستضع مليشيا الحوثي على مقربة من مدينة “مأرب” عاصمة المحافظة، حيث تعد مناطق الحدود الغربية لمأرب أكثر جبهة مفتوحة أمام الحوثيين لشن هجمات انطلاقاً منها بإستثناء مديرية “بني ضبيان” وهي منطقة قبائل بني ضبيان التابعة قبلياً “لخولان” والتي أعلنت عام 2015م الحياد في المعركة بين الحكومة والحوثيين.

وتعد القبائل صمام أمام لحماية محافظة مأرب وتأمينها من السقوط بيد المليشيات الحوثية، وهذه القبائل المحلية التي طالما تمتعت باستقلالية شديدة أسفرت عن علاقة معقدة مع أي سلطة مركزية في صنعاء، كما أن لدى قبيلة “مراد” ومعظم قبائل المحافظة إحساساً عالياً بهويتهم السنية ما يضعهم على خلاف مع جماعة الحوثي التي تعتنق عقيدة أخرى وتؤمن بأيديولوجية إسلامية قائمة على المذهب الشيعي الزيدي، ولدى قبيلة “مراد” تحديداً علاقة تاريخية معقدة ومتشعبة مع “الزيديين” في الجمهورية العربية اليمنية وغالباً ما اتسمت بالعداء، وأغتيل الإمام علي بن أبي طالب (الأب الرمزي لجميع الطوائف الشيعية في العالم الإسلامي) على يد عبد الرحمن بن ملجم أحد أفراد قبيلة “مراد” عام “661م” أما في التاريخ الحديث فلقد قتل “يحيى محمد حميد الدين” الإمام الزيدي للمملكة المتوكلية اليمنية عام 1948م على يد “علي بن ناصر القردعي المرادي” أحد أبرز شيوخ قبيلة مراد، وساهمت الخبرة القتالية لأبناء هذه القبائل ومعرفتهم بأراضيهم وجغرافيتها في تحقيق التوازن في القتال ضد الحوثيين على الرغم من تفوق عدد مقاتلي الحوثيين عليهم.

ولاتزال إمكانية الوصول الى مدينة “مأرب” والتقدم شرقاً للإستيلاء على “صافر” ومصفأة النفط هناك بالنسبة للحوثيين هدفاً قائم وشديد الإغواء لأجل السيطرة على ثروة مأرب النفطية أن يغير شكل الحرب بأكملها على المستويين السياسي والعسكري لصالحهم، وتحديداً بتمركز قوات الحوثيين في مناطق تسمح لهم بتهديد المحافظات الجنوبية (حضرموت وشبوة والمهرة)، واذا لم يتمكن الحوثيين من تحقيق إختراق عسكري فإن استمرار الضغط العسكري على القبائل في مأرب قد يجبرهم على الوصول إلى تسوية مع الحوثيين، كما حدث في معارك أخرى مماثله على مدى السنوات الماضية من الصراع.

وطرح الحوثيون عبر عدة وسطاء تسوية على محافظ مأرب الشيخ “سلطان العرادة” تقضي بترتيبات اقتصادية وأمنية تمنحهم حصصاً من عائدات المحافظة ومواقع لأنصارهم في سلطة مأرب المحلية ولكنه رفضها حتى الآن، لذلك لا يمكن تجاهل التقارير التي تتحدث عن شعور بعض قبائل مراد بالإستياء والتذمر المتزايد نتيجة الخسائر التي منيت بها خلال المعارك الأخيرة ضد عناصر مليشيا الحوثي والغياب المتصور للدعم من الحكومة الشرعية، وانتصار أي من الطرفين في معركة “مأرب” سيكون نقطة تحول في حرب اليمن، إذ من شأن انتصار الحوثيين أن يعيد صياغة هذا البلد بشكل جذري ويمنحهم سيطرة شبه كاملة على المحافظات اليمنية والأهم من ذلك الوصول إلى موارد البلاد من النفط والغاز والعائدات التي ترافقها.

ويحلم الحوثيون بمثل هذه المكاسب منذ بداية هذا الصراع الذي امتد لسنوات، وعلى الجانب الآخر فإن هزيمتهم في محافظة مأرب بعد استثمارهم فيها بالتجهيزات والمقاتلين سيمثل انتكاسة وإنكسار لطموحاتهم الرئيسية، وقد يؤدي فشلهم في الإستيلاء على هذه المنطقة المحورية والإستراتبجية في معادلة الحرب الى تشويه صورتهم كقوة عسكرية باطشة سواء أمام جمهورهم أو خصومهم في الداخل والخارج، فالمجتمع الدولي يراقب معركة مأرب باهتمام لانظير له حيث يدرك بان النتيجة هي من ستشكل مستقبل الحرب والسلام المحتمل في الجمهورية العربية اليمنية.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: