كتاب ومقالات

في ذكرى رحيله الثانية .. لك الخلود يا من اصطفاك الله شهيداً ولا نامت أعين الجبناء .. #مقال لـ ” محمد مرشد عقابي “

محمد مرشد عقابي

الحمد لله تعالى القائل في محكم التنزيل (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياءً عند ربهم يرزقون)، والقائل (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينظر وما بدلوا تبديلاً)، صدق الله العلي العظيم.

صادف يوم أمس الأول تأريخ 2020/12/5م الذكرى السنوية الثانية لإستشهاد المقاوم والقائد الجنوبي البطل “عبد الصفي علي أحمد مانع الفجاري الحوشبي” شقيق قائد قطاع الحزام الأمني بمديرية المسيمير محافظة لحج الشيخ “محمد علي الحوشبي” طيب الله مقامه ورفع قدره وحفظه من كل مكروه وادآم ظله الوارف عزاً وذخراً للوطن، قبل عام من هذا التأريخ فجعت بلاد الحواشب بنبأ استشهاد هذا المقاوم البطل، إذ نزل هذا الخبر على قلوب الجميع كالصاعقة من هول ما خلفه من صدمة وفاجعة عظيمة عصفت وحلت بالبلاد، فقد كان مضمون هذا النبأ الحزين “المفجع والمدوي” يفيد بإستشهاد البطل الثائر المقاوم الشجاع والمناضل الجسور والمقدام والشخص العزيز والغالي على قلوبنا جميعاً “عبد الصفي علي أحمد مانع”، الذي سقط في محراب الشهادة وهو يؤدي وأجبه الديني والوطني والأخلاقي في الذود عن حياض الوطن ضد مليشيات الحوثي الإيرانية، فقد كان هذا البطل المغوار قائداً للسرية الأولى بلواء المحضار المرابط بمديرية الدريهمي في محافظة الحديدة.

وبعد ان أنجز الشهيد “عبد الصفي” مهمته الأساسية في الدفاع عن أرض الجنوب مشاركاً في مختلف جبهات القتال شد رحاله بإتجاه الساحل الغربي مطارداً فلول الإمامة ومنكلاً باعداء الوطن والدين وعملاء المجوس والروافض، ذهب الى هناك مجاهداً في سبيل الله ولأجل إعلاء كلمة الحق ومحاربة قوى الضلال والباطل المتمثل بجحافل البغي والإجرام والعدوان والإرهاب السلالي الطائفي الحوثي، في الدريهمي أكمل هذا البطل مشوار حياته النضالي والكفاحي والجهادي المظفر متصدياً لأدوات المشروع الفارسي المقيت.

أستشهد هذا القائد المقدام وهو في مواقع الشرف والبطولة مقبلاً غير مدبر ليضرب أروع مثل الفداء والتضحية وأعظم مواقف الرجولة والشجاعة والإقدام، ملتحقاً بكوكبة من سبقوه في هذا المضمار المقدس، ويرتقي الى مرتبة العظماء حيث حياة الخلود، تاركاً خلفه إرثاً بطولياً ناصعاً يستلهم منه الأخرون أعظم معاني الفداء والبذل والعطاء لأجل الله والوطن.

رحل عنا هذا الشهيد ونحن في أشد الظروف احتياجاً لأمثاله من الرجال الميامين، رحل عن دنيانا تاركاً في القلب أثار الوجع والأسئ والعبرات، رحل عنا وبقايا دمع حارقة تسكن مآقي العين لتندب فيها مفردات الألم والحسرة والندم على هذا الفارق الحزين، فالعين تنتحب من جور هذا الفراق والقلب يلوك عبرات القهر والألم والفؤاد مثخن بالجراحات والأحزان.

جديد داخل المقالة

فاضت تلك الروح الطيبة الطاهرة الى بارئها لتخلد لنا بعد مغيبها أسمى صفات التضحية وأنبل عبارات الفداء والرجولة، فقد تركت لميادين الوغأ مساحة كي تحزن على فراق من ترجل عنها ليترك فضاءاتها التي تنعي من أجاد الوجود خلقاً وإبتسامة وشجاعة وإقدام، وتركت شهيدنا الأبر ذكرى عطرة في نفوسنا جميعاً، فقد كنت شهماً وإنساناً تتحلى بالخصال والسجايا الحميدة والفاضلة، وقبل ان تكون فارساً مغواراً في ساحات الردئ، كنت انساناً يحبك الآخرون، فأنت من دخل الى حجرات قلوب العامة دون إستئذان، وأنت من عرفك الكل بالبساطة والتواضع والإبتسامة الجميلة، عشت بيننا بقلب لا تحمل فيه مثقال ذرة من حقد او كراهية او ضغينة، عرفك الجميع ذلك المتواضع البسيط الذي لا يعرف الكبرياء او التعالي على اي مخلوق، نعم، لقد شهد لك كل من عاش الى جانبك بإنك نعم الأخ والصديق المتصف بأنبل صفات الشهامة والمرؤة والنخوة والرجولة والمواقف البطولية.

لقد سطرت أعظم ملاحم البطولة في مواجهة فلول مليشيا الإرهاب الحوثية، وكانت لك بصمات تشع بانوارها الزاهية وصولات وجولات ستظل عالقة مدى الدهر في أذهان كل سبط قوي وشديد، في خضم تلك المعمات لم نسمع يوماً بإنك تخاذلت عن مجابهة العدو او تقاعست عن أداء دورك الوطني والديني في كسر شوكة المعتدين او تهربت عن تحمل المسؤولية، فقد كنت دوماً عند المستوى مقاتلاً ومساندة لزملائك وغيرهم من المقاومين المناهضين للمليشيات الباغية، فضلاً عن كونك تمثل رمزاً للمبادرة والسبق في فعل الخير والإستجابة لداعي الإستنجاد والعون في مختلف المراحل والظروف، لقد كان همك الوحيد هو إزاحت هذه الشرذمة الباغية والعميلة من الأرض والقضاء على عناصرها وفلولها بأي شكل من الأشكال.

يكفيك فخراً وعزاً بان يشهد لك في غيابك الجميع بما هو خير وصلاح، وبانك كنت نعم المعين لمن يحتاج بكل المعتركات، كنت مدافعاً عن الثوابت الدينية والإنسانية وعنواناً للوفاء والإخلاص والكفاءة والشهامة والرجولة والصدق والأمانة والنزاهة مع كل من تعامل معك دون تمايز او استثناء.

دوى خبر استشهادك ليتردد صداه المحزن في كافة الأرجاء ليخيم الوجوم والحزن في كل مطرح، لقد كان ذلك ردة فعل طبيعية لمن تملك محبة الجميع وحظي بمكانة مرموقة بين اوساطهم، ولم يكن غريباً ان يخرج على وقع استشهادك الصغير قبل الكبير بموكب مهيب ومهاب، كما انه ليس من المستغرب ان يشارك في السير مع جنازتك حشد غفير من مختلف الفئات والشرائح والأطياف، وليس بغريب ان يشارك في توديعك الآلاف يوم رحيلك، وليس بغريب ان يتوافد الرجال والنساء والأطفال والشيوخ وكل الأطر لإلقاء نظرة وتحية الوداع على ذلك الوجه المبتسم والروح الطاهرة، وما اصطفاف الأفواج والأرتال خلف موكب تشييع جثمانك الطاهر إلا دليل قاطع على عظمة انسانيتك وطيب الأثر الذي تركته ليبقى مخلداً في نفوس الناس، فذلك الجمع أعطى رسالة ذات ابعاد ودلالات واضحة عن عمق المحبة والإحترام التي تكنها لك تلك الحشود الغفيرة التي تقاطرت من كل حدب وصوب لتبادلك في يوم وداعك الأخير الوفاء بالوفاء، وتتعهد لك بالمضي في ذات الدرب الذي سرت عليه حتى النصر او الشهادة، كل ذلك الزخم الجماهيري الهادر يعبر عن القيم النبيلة التي زرعتها وجسدتها في الآخرين بأخلاقك ومبادئك الثابثة والصادقة والصلبة خلال حياتك القصيرة الحافلة بالعطاء والتضحية والمواقف الخالدة.

شكل رحيلك ايها البطل الشجاع خسارة كبيرة على الوطن، إذ كنت سند لكل زملائك المقاومين الأبطال، وخير المعين لهم في مواقع الشرف والعزة والكرامة، لكن ماذا عسانا ان نقول او ان نفعل، فإرادة الله أقوى وأعظم وهو ما يفعل ما يشاء، وإرادته فوق كل هوانا وتمنياتنا ولا مناص او سبيل لأحد للإعتراض على أقدار الله مهما كانت، والله على كل شيء قدير، لكن حسبنا في مصابنا الجلل ان نعاهد شهيدنا بالسير على نفس النهج الذي سار عليه هو وأمثاله من الأوفياء والمخلصين ممن استرخصوا حياتهم في سبيل الله ومن أجل الدفاع عن ثوابتهم الراسخة، فلك العهد منا على ذلك، ولن ننسى ذكراك ابد ما حيينا، فما تركته فينا لن يزول، وتأريخك سيظل مخلداً في تلافيف ذاكرة اجيالنا المتعاقبة، وستترسخ بطولاتك في اذهان ومخيلات كافة أبناء الشعب، وسيظل نجمك مشعاً ومضيئاً في سماء الشجاعة والرجولة والإقدام، وسنحكي قصص بطولاتك للأجيال وسنجعل من تلك الملاحم الأسطورية التي اجترحتها بمختلف الميادين دروساً يقتفي أثرها من يريد عيش حياة العظماء.

لن ننسى العبارات الشهيرة التي أطقتها وانت تتأهب لمواجهة العدو المليشاوي الإرهابي المجرم، حينما تحدثت لرفاقك بإن الموت أهون وأشرف من ان نرى هؤلاء المجوس الروافض الأنجاس أحفاد الفرس وأقزام مران ومن أرتمى في أحضانهم وضعفاء النفوس والعقيدة ومن هو على شاكلتهم يدنسون أرضنا الطاهرة، فكانت تلك الكلمات شرارة أشعلت فتيل الثورة في نفوس المجاهدين، وهرعت مسرعاً صوب مواطن الرجال شرذمة البغاة، لتريهم شيئاً من بأس الله الشديد، لن ننسى هذه المواقف يا “عاشق الشهادة”، ولن ننسى انخراطك بعفوية في صفوف المقاومة الجنوبية بالحواشب بدافع الغيرة والوطنية دون اي مقابل مادي او عيني، لقد ناضلت بجهدك وبمالك الخاص وكنت بطلاً استثنائياً في مرحلة صعبة وظرف عصيب، لن ننسى تلك المنعطفات التأريخية الفاصلة من حياة ثائر جنوبي عظيم ضحى بكل غال ونفيس في سبيل الدفاع عن ثوابتهم الوطنية والدينية والإنسانية العظيمة.

عشت مناضلاً مقارعاً للظلم والجبروت ورحلت عن الدنيا وانت رافعاً الهامة عنان السماء وشامخاً شموخ الرواسي والجبال، سئل الله جل في علاه ان يتغمدك بواسع رحمته وعظيم مغفرته ورضوانه وان يسكنك فسيح جناته وان يتقبلك مع الشهداء والصديقين والصالحين وحسن اولئك رفيقا.

إنا لله وإنا اليه راجعون.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: