كتاب ومقالات

أقم النهار يا من تركت قيام الليل .. #مقال لـ ” محمد مرشد عقابي “

محمد مرشد عقابي

وردت في محكم التنزيل سورتان متشابهتان ومتجاورتان في الزمان والمكان، هما سورة “المزمل” وسورة “المدثر”، فأما تشابههما فحسبنا منه التشابه اللفظي والمعنوي في الأسم المأخوذ من نداء الإفتتاح لكل منهما (يا أيها المزمل) – (يا أيها المدثر) وكذلك ابتداء كل منهما بالأمر بالقيام، وأما تجاورهما في الزمان فهو نزولهما متتابعتين او متقاربتين ضمن أول ما نزل من القرآن الكريم.

ومعنى تجاورهما المكاني هو تتابعهما في ترتيب السور بالمصحف الشريف، مع أن كثيراً من سور القرآن وآياته تتابعت عند النزول وتباعدت عند الترتيب، وما أريد الوقوف عنده من خلال هذا المقال في أمر السورتين الكريمتين هو الأمر بالقيام الوارد في مطلع كل منهما حيث جاء :

“يا أيها المزمل قم الليل” وكذلك “يا أيها المدثر قم فأنذر”، هما أمران بلفظ واحد، لكن في اتجاهين مختلفين، فأما الأمر الأول (قم الليل) فقد أصبح له شأن وذكر في الدين والتدين، وفي التعبد والتقرب، وفي التربية والتزكية وأصبح له أسمه الخاص به الدال عليه بلا غموض ولا التباس وهو “قيام الليل”، وأما الأمر الثاني (قم فأنذر) فلم يحظ بشيء مما حظي به الأمر الأول ولذلك فهو قصدي في هذه الورقة من “أوراق التجديد”.

يفترض بنا عند النظر إلى مئالات سورة المدثر ومطلعها ومقارنتها مع شقيقتها سورة المزمل ومطلعها أن نتحدث عن “قيام النهار” مثلما نتحدث عن “قيام الليل” وإذا كان مضمون قيام الليل هو الصلاة والذكر والتلاوة (قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)، فإن قيام النهار هو الدعوة بكل صيغها وما تتطلبه من مجاهدة ومكابدة (قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر)، وسورة المزمل التي جاءت بقيام الليل هي نفسها لم تلبث أن وجهت الأنظار إلى قيام النهار قبل أن تصرح به شقيقتها المزمل، فبعد قوله تعالى تنويهاً بقيام الليل وأهميته “إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا”، أضاف سبحانه “إن لك في النهار سبحاً طويلا”.

وأوضح العلامة “ابن عاشور” مغزى هذه اللفتة القرآنية فيتحصل من المعنى : قم الليل، لأن قيامه أشد وقعاً وأرسخ قولاً، ولأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك، وشغل النبي صلى الله عليه وسلم في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ القرآن وتعليم الدين ومحاجة المشركين وتفقد المؤمنين المستضعفين فعبر عن جميع ذلك بالسبح الطويل، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشغل جزءً من ليله في قيام الله، فقد كان يشغل عامة نهاره بقيام النهار، وفي مواجهة المناوئين له المتكتلين ضده (وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قال إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا)، وإذا كان “قيام الليل” له ماله من عظيم الفضل والثواب والأثر البالغ في التربية والتزكية فإن حكمه في الدين يبقى في حدود الندب والترغيب، ويبقى مجاله الزمني في حدود جزء من الليل يزيد او ينقص، أما “قيام النهار”، بما هو دعوة وتبليغ ومجاهدة ومكابدة ومجادلة ومجالدة يتضمن عدداً من الفرائض والواجبات، فضلاً عن مندوباته ومستحباته لهذا فهو ألزم وأكد، ولذلك كان زمانه والقيام به “سبحاً طويلا”.

جديد داخل المقالة

نحن في هذه الأيام بالذات بحاجة إلى إحياء قيام النهار واستعادة مكانته وفاعليته، علاوة على حاجتنا إلى إقامة الدعوة مثلما نحن محتاجون إلى قيام الدعاء، إننا في امس الحاجة إلى الأعمال المكونة لقيام النهار مثل “قم فأنذر – وربك فكبر – وثيابك فطهر- والرجز فاهجر – ولا تمنن تستكثر”، مثلما نحن أشد احتياجاً إلى الأعمال المكونة لقيام الليل “الركوع – السجود – التلاوة – الذكر- الدعاء”، بل ان الأعمال الأولى هي أوجب في الشرع ولها من الأهمية الكبيرة في واقعنا المعاش.

اظهر المزيد

اضف تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: